الرئيسيةاخبار سياسيةالإيغاد تجدد رفضها الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال: الدوافع والمحاذير

الإيغاد تجدد رفضها الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال: الدوافع والمحاذير

ورقة سياسات.

وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات، لندن – نيروبي

تقديم: تتناول هذه الورقة التداعيات الاستراتيجية للإعلان الإسرائيلي الاعتراف بجمهورية أرض الصومال كدولة مستقلة (ديسمبر 2025) وافتتاح سفارة لها في القدس (يونيو 2026)، في ضوء الموقف الرافض لهيئة “الإيغاد” والاتحاد الأفريقي. وتطرح الورقة سؤالاً محورياً: هل يمثل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال مجرد خطوة دبلوماسية ثنائية، أم أنه يعكس تحولاً استراتيجياً أوسع في موازين القوى بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي، يحمل في طياته مخاطر على استقرار المنطقة والنظام الأفريقي القائم على حرمة الحدود الموروثة؟

المعطيات الأساسية:

في 26 ديسمبر 2025، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاعتراف الرسمي بجمهورية أرض الصومال كدولة مستقلة وذات سيادة، في أول اعتراف دولي بالإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال مطلع التسعينيات. وجاء هذا الإعلان بعد زيارة سرية أجراها رئيس أرض الصومال إلى إسرائيل في أكتوبر 2025، التقى خلالها مسؤولين في الموساد ووزارة الخارجية، حيث خصّ نتنياهو رئيس الموساد بالشكر خلال إعلان الاعتراف، بما يعكس الطابع الأمني والاستراتيجي للملف. وتوّج التطور في 16 يونيو 2026 بافتتاح سفارة لأرض الصومال في القدس الغربية خلال أول زيارة رسمية لرئيس الإقليم إلى إسرائيل، مما يؤشر إلى انتقال العلاقة من مستوى الاتصالات السياسية والأمنية إلى مستوى الشراكة العلنية والمؤسساتية.

في المقابل، أكدت هيئة الإيغاد في ديسمبر 2025 أن جمهورية الصومال الفيدرالية تبقى الدولة العضو ذات السيادة المعترف بها دولياً، وأن وحدة أراضيها وسلامتها الإقليمية تحظيان بالحماية بموجب ميثاق الأمم المتحدة والقانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي والاتفاقية المنشئة للإيغاد، معتبرة أن أي اعتراف أحادي الجانب يتعارض مع هذه المرجعيات. وجددت الأمانة العامة في 18 يونيو 2026 موقفها الرافض، محذرة من أن أي خطوات تمس وحدة الصومال قد تؤدي إلى زيادة التوترات وتهديد الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي.

تحليل الدوافع: المصلحة الإسرائيلية ورهانات النفوذ.

تمثل أرض الصومال موقعاً استراتيجياً استثنائياً على الضفة الجنوبية لخليج عدن، مقابل السواحل اليمنية وعلى مقربة من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية. ومن شأن إقامة شراكة استراتيجية مع الإقليم أن تمنح إسرائيل حضوراً متقدماً بالقرب من أحد أهم شرايين التجارة والطاقة الدولية، وتوسع هامش حركتها الأمنية خارج نطاق البحر الأحمر الشمالي. هذا الموقع يمنح أرض الصومال أهمية عسكرية واستخباراتية تفوق بكثير مساحتها السكانية المحدودة، ويجعل منها نقطة ارتكاز مثالية لمراقبة الملاحة الدولية.

أظهرت الحرب في غزة وما رافقها من هجمات حوثية على السفن وإسرائيل أهمية إنشاء منظومات إنذار ورصد متقدمة جنوب البحر الأحمر. وفي هذا السياق تبدو أرض الصومال موقعاً مثالياً لتطوير قدرات المراقبة البحرية والاستخباراتية ومتابعة حركة الصواريخ والطائرات المسيّرة المنطلقة من اليمن، مما يتيح لإسرائيل كسب وقت ثمين للرد على التهديدات القادمة من الجهة الجنوبية.

يعكس الاعتراف الإسرائيلي عودة إلى مقاربة تاريخية تقوم على بناء علاقات مع قوى وكيانات تقع خارج الدائرة العربية التقليدية، بهدف خلق شبكات نفوذ وتحالفات موازية في البيئات المحيطة بالعالم العربي. وتوفر أرض الصومال نموذجاً مناسباً لهذه المقاربة بحكم موقعها الجغرافي ووضعها السياسي الخاص وعلاقتها المتوترة مع مقديشو. هذه الاستراتيجية تعكس رؤية إسرائيلية طويلة المدى لكسر العزلة العربية عبر الانفتاح على أطراف وأقاليم تقع في المحيط الجيوسياسي العربي.

يأتي التحرك الإسرائيلي في منطقة شهدت خلال السنوات الماضية توسعاً ملحوظاً للحضور التركي في الصومال، إلى جانب الدور الإيراني غير المباشر المرتبط بالحوثيين في اليمن. ومن ثم يمكن النظر إلى الانفتاح على أرض الصومال باعتباره محاولة لبناء نقطة ارتكاز مقابلة تتيح لإسرائيل التأثير في التوازنات الإقليمية الناشئة، وتعطيل المشاريع التركية والإيرانية في المنطقة أو موازنتها.

يمثل ميناء بربرة أحد أبرز الأصول الجيوسياسية في المنطقة، ويمنح أي قوة حاضرة فيه قدرة أكبر على التأثير في حركة الملاحة الدولية. ولذلك يتجاوز الاهتمام الإسرائيلي البعد السياسي للاعتراف ليشمل اعتبارات لوجستية وأمنية مرتبطة بالتنافس الدولي المتزايد على موانئ القرن الأفريقي وممراته البحرية.

قراءة الموقف الإقليمي والدولي:

عكس تكرار الموقف الإفريقي خلال مرحلتين مختلفتين أن اعتراض هيئة الإيغاد لا يرتبط بالإجراء الإسرائيلي بحد ذاته فحسب، بل بمبدأ إعادة فتح ملفات الحدود والانفصال داخل القارة الأفريقية، وهو مبدأ ظل الاتحاد الأفريقي متمسكاً به منذ عقود خشية انتقال العدوى الانفصالية إلى دول أخرى. إن مبدأ “الحدود الموروثة عن الاستعمار” الذي تتبناه منظمة الوحدة الأفريقية ثم الاتحاد الأفريقي منذ عام 1964، يُعد من المبادئ التأسيسية للنظام السياسي الأفريقي، وأي خرق لهذا المبدأ، حتى لو كان عبر اعتراف دولي من طرف خارجي، يفتح الباب أمام مطالب انفصالية في دول أفريقية متعددة.

  يشير الاعتراف الإسرائيلي إلى تحول أوسع في موازين القوى الإقليمية، حيث يتقاطع مع الخلافات الصومالية-الإثيوبية حول الترتيبات البحرية، ومع الصراع على النفوذ في البحر الأحمر، ومع الترتيبات الأمنية التي خلفتها حرب غزة واليمن. فتحول البحر الأحمر إلى ساحة تنافس دولي مفتوح يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل من أرض الصومال ورقة ضغط استراتيجية في أيدي قوى خارجية. كما تشير المعطيات إلى موقف عربي وإسلامي رافض للاعتراف، يستند إلى مبدأ وحدة الأراضي الصومالية، ويحمل أبعاداً إضافية تتعلق بالصراع العربي-الإسرائيلي، حيث يُنظر إلى الخطوة الإسرائيلية باعتبارها محاولة لتعزيز النفوذ في محيط عربي واستغلال الانقسامات الداخلية.

المحاذير والتداعيات:

يُعد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال سابقة خطيرة قد تشجع حركات انفصالية أخرى في القارة على السعي نحو اعترافات مماثلة، مما يهدد استقرار دول أفريقية متعددة ويعيد فتح ملفات حدودية ظلت مجمدة لعقود. فالقارة الأفريقية تضم عشرات الحركات الانفصالية، وأي اعتراف بأرض الصومال سيكون سابقة يستند إليها الآخرون.

ترى الإيغاد أن الاعتراف الإسرائيلي يشكل نافذة لاستيراد توترات الشرق الأوسط إلى منطقة هشّة، عبر تعزيز الحضور الإسرائيلي على أعتاب مضيق باب المندب. وهذا يهدد تحويل القرن الأفريقي إلى ساحة لصراعات نيابية إقليمية ودولية، مما يزيد من تعقيد المشهد ويهدد استقرار المنطقة بأسرها.

قد يعرقل الاعتراف جهود الحوار والتسوية السياسية بين الحكومة الفيدرالية الصومالية وسلطات هرجيسا، من خلال إضعاف الحوافز للتوصل إلى حل تفاوضي متفق عليه، وتعزيز موقف المتشددين في أرض الصومال الرافضين لأي حل توافقي، كما قد يجعل إسرائيل لاعباً إضافياً في أي مفاوضات مستقبلية، مما يزيد من تعقيد الملف.

قد يؤدي تعزيز الوجود الإسرائيلي في جنوب البحر الأحمر إلى ردود فعل من قوى إقليمية معادية، مما يزيد من احتمالات التوتر والمواجهات في مضيق باب المندب، وهو ما سينعكس سلباً على أمن الملاحة الدولية وحركة التجارة العالمية.

رؤية استشرافية في ضوء التحليل:

أولاً: إطلاق بحث تفصيلي حول خيار الكونفدرالية الصومالية. ضرورة تكليف هيئات بحثية وأكاديمية صومالية وإقليمية ودولية بإجراء دراسة معمقة حول إمكانية تطبيق نموذج الكونفدرالية في الصومال، كنظام انتقالي يجمع بين الحفاظ على وحدة الدولة وسلامة أراضيها، والاعتراف بالخصوصيات السياسية والاجتماعية للمناطق المختلفة، بما فيها أرض الصومال. وينبغي أن يتضمن البحث تحليلاً دقيقاً للتجارب الكونفدرالية العالمية (كالنموذج السويسري أو البوسني) واستخلاص الدروس المناسبة للسياق الصومالي.

ثانياً: الاستعداد الكامل لتنفيذ الترتيبات الكونفدرالية. العمل على تهيئة الأطر القانونية والسياسية والاقتصادية اللازمة لانتقال الصومال نحو نظام كونفدرالي يحقق المصالح العليا للشعب الصومالي، ويمنع الانفصال الذي لا يخدم مصالح الصوماليين في أي من الشطرين. ويتطلب ذلك تشكيل لجنة وطنية موسعة تضم ممثلين عن الحكومة الفيدرالية وسلطات أرض الصومال والمجتمع المدني والشخصيات القبلية والعرقية، لوضع خارطة طريق زمنية للانتقال نحو الكونفدرالية.

ثالثاً: ضمان التدرج في العودة إلى النظام الفيدرالي. تصميم ترتيبات كونفدرالية تتسم بالمرونة والقابلية للتطوير التدريجي، بحيث تتيح العودة إلى نظام فيدرالي أكثر توحيداً عند توفر الظروف المناسبة، مع الحفاظ على مصالح المكونات القبلية والعرقية والمناطقية، وضمان مشاركتها الفاعلة في صنع القرار الوطني. يمكن أن تشمل هذه الترتيبات آليات لتوزيع الثروات والموارد بشكل عادل، وتقاسم السلطة بين المركز والأقاليم، وبناء مؤسسات وطنية جامعة تحظى بثقة جميع الأطراف.

رابعاً: إشراك المجتمع الدولي في دعم الخيار الكونفدرالي. العمل على حشد دعم دولي وإقليمي للخيار الكونفدرالي، خاصة من الاتحاد الأفريقي والإيقاد والأمم المتحدة والدول الصديقة، باعتباره الحل الوحيد القابل للتطبيق للحفاظ على وحدة الصومال ومنع تدويل القضية واستغلالها من قبل أطراف خارجية، وفي مقدمتها إسرائيل التي تسعى لتعزيز نفوذها في المنطقة على حساب المصالح الصومالية والأفريقية. ويشمل ذلك تقديم ضمانات دولية لتنفيذ الترتيبات الكونفدرالية وحماية سيادة الصومال ووحدته.

وتظل المنطقة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الحفاظ على تماسك النظام الإقليمي الأفريقي ومنع تحوله إلى ساحة لصراعات إقليمية ودولية جديدة، فيما يبقى الخيار الكونفدرالي هو الطريق الأكثر واقعية لحماية وحدة الصومال ومصالح شعبها، وإفشال المشاريع الخارجية التي تستهدف تمزيق النسيج الوطني الصومالي.

وفي موضوع العلاقة الإسرائيلية مع ارض الصومال:

تعزيز الموقف الأفريقي الموحد: ضرورة تكثيف التحركات الدبلوماسية الأفريقية، عبر الاتحاد الأفريقي والإيغاد، لحشد موقف دولي رافض للاعتراف الإسرائيلي، واستثمار الإجماع الأفريقي حول مبدأ حرمة الحدود الموروثة للضغط على إسرائيل وداعميها لتراجع عن الخطوة.

إحياء مسار الحوار الصومالي الداخلي: العمل على إحياء مفاوضات مباشرة بين الحكومة الفيدرالية في مقديشو وسلطات هرجيسا، برعاية أفريقية ودولية، لمنع استغلال الاعتراف الإسرائيلي لتعزيز الانفصال، وفتح آفاق لحل توافقي يحفظ وحدة الصومال أو يفضي إلى ترتيبات متفاوض عليها.

تعزيز القدرات الدفاعية للصومال: تقديم دعم عسكري وتقني للحكومة الصومالية يمكنها من مراقبة مياهها الإقليمية وحماية سواحلها، بالتعاون مع القوات البحرية الدولية الموجودة في المنطقة، لمنع تحول أرض الصومال إلى منطقة نفوذ إسرائيلي أو قاعدة لعمليات استخباراتية.

التنسيق مع القوى الإقليمية والدولية: تكثيف التنسيق مع السعودية ومصر والإمارات وتركيا، بصفتها أطرافاً معنية بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لوضع استراتيجية مشتركة لمواجهة التمدد الإسرائيلي في المنطقة، بما يحمي المصالح العربية والإفريقية المشتركة.

استثمار الموقف الأوروبي الداعم للقانون الدولي: العمل على إقناع القوى الأوروبية بعدم الاعتراف بأرض الصومال، والتشديد على أن أي اعتراف كهذا يشكل خرقاً للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مما يعزز العزلة الدبلوماسية لإسرائيل في هذا الملف.

خلاصة:

يكشف مسار الأحداث منذ الاعتراف الإسرائيلي في ديسمبر 2025 وحتى افتتاح سفارة أرض الصومال في القدس في يونيو 2026 عن انتقال العلاقة بين الطرفين من مرحلة الاتصالات السرية إلى مرحلة الشراكة العلنية. وفي المقابل، حافظت الإيغاد والدول العربية والإسلامية على موقف رافض يستند إلى مبدأ وحدة الأراضي الصومالية ورفض أي اعترافات أحادية الجانب.

يتجاوز جوهر القضية البعد القانوني المرتبط بوضع أرض الصومال، ليعكس صراعاً أوسع على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. فإسرائيل تنظر إلى الإقليم باعتباره نقطة ارتكاز استراتيجية تتيح توسيع حضورها الأمني بالقرب من باب المندب ومراقبة التهديدات القادمة من اليمن، بينما ترى القوى الإقليمية المناوئة أن هذه الخطوة تمثل تحولاً في ميزان القوى جنوب البحر الأحمر قد تكون له انعكاسات مباشرة على أمن الملاحة الدولية وتوازنات المنطقة بأسرها.

ترى “الإيغاد” في الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال انتهاكاً صريحاً لميثاق الأمم المتحدة والقانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي ومبدأ سيادة الدول، ونافذة لاستيراد توترات الشرق الأوسط إلى منطقة هشّة، وخرقاً لمبدأ الحدود الموروثة الذي يشكّل الركيزة الأساسية للحوكمة الأفريقية. وتظل المنطقة أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الحفاظ على تماسك النظام الإقليمي الأفريقي ومنع تحوله إلى ساحة لصراعات إقليمية ودولية جديدة.

برز الخيار الكونفدرالي كبديل واقعي للحفاظ على وحدة الصومال، إذ يتيح الاعتراف بالخصوصيات السياسية والاجتماعية لأقاليمها، بما فيها أرض الصومال، ضمن إطار دولة موحدة ذات سيادة، مع ترتيبات مرنة تسمح بالتدرج نحو نظام فيدرالي مستقبلي يحفظ مصالح المكونات القبلية والعرقية. وإن إطلاق بحث تفصيلي لهذا الخيار، والاستعداد لتنفيذه بضمانات دولية، يشكل المسار الأكثر واقعية لإفشال المشاريع الخارجية التي تستهدف تمزيق النسيج الوطني وتحقيق الاستقرار الدائم في القرن الأفريقي.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات