تقرير:جعفر السبكي
أثار رفض اللجنة البرلمانية البريطانية المختصة بشؤون السودان وجنوب السودان استضافة رئيس وزراء حكومة بورتسودان كامل إدريس موجة واسعة من الجدل السياسي والإعلامي، بالتزامن مع احتجاجات وأحداث عنف صاحبت زيارته إلى بريطانيا، في تطورات ألقت بظلالها على مسار الزيارة وأثارت تساؤلات بشأن طبيعة الحضور السياسي والدبلوماسي للوفد السوداني داخل الأوساط البريطانية.
وبحسب تقارير إعلامية متداولة، فإن اللجنة البرلمانية البريطانية متعددة الأحزاب المعنية بالسودان وجنوب السودان رفضت عقد لقاءات أو جلسات رسمية مع كامل إدريس داخل البرلمان البريطاني، في خطوة فُسرت على نطاق واسع باعتبارها مؤشراً على تعقيدات متزايدة تحيط بالتعامل مع أطراف الصراع السوداني داخل المؤسسات السياسية البريطانية.
وجاء هذا الموقف في وقت تشهد فيه الساحة الدولية نقاشات متزايدة بشأن كيفية التعامل مع الأطراف السودانية المتصارعة، وسط مخاوف متصاعدة من منح أي طرف منصات سياسية قد تُفسر باعتبارها اعترافاً أو دعماً ضمنياً في ظل استمرار الحرب وتفاقم الأزمة الإنسانية.
ووفقاً لما أوردته تقارير صحفية، فإن إدريس سعى خلال الزيارة إلى الظهور عبر منابر أكاديمية ومراكز بحثية وفعاليات عامة، إلا أن التحركات لم تشمل اجتماعات معلنة مع دوائر رسمية داخل الحكومة البريطانية أو البرلمان.

زيارة بطابع أكاديمي وإعلامي
وتشير المعطيات المرتبطة بالزيارة إلى أن النشاط الرئيسي المعلن لكامل إدريس تمثل في المشاركة بفعالية داخل اتحاد أكسفورد بجامعة أكسفورد، وهي منصة طلابية ومنبر للنقاشات الفكرية والسياسية المعروفة باستضافة شخصيات عامة من مختلف دول العالم.
وبحسب متابعين، فإن طبيعة الفعالية كانت ذات طابع أكاديمي وإعلامي أكثر من كونها منصة لاتخاذ القرار السياسي أو إجراء مباحثات رسمية، إذ لم يتم الإعلان عن لقاءات مباشرة مع مسؤولين حكوميين أو شخصيات برلمانية بريطانية مؤثرة.
ويرى مراقبون أن غياب اللقاءات الرسمية يشير إلى محدودية الاختراق السياسي الذي حققته الزيارة داخل دوائر صنع القرار البريطانية، رغم محاولات الظهور الإعلامي وإبراز مواقف الحكومة السودانية.

احتجاجات خارج أكسفورد تتحول إلى أزمة
وفي موازاة الجدل السياسي حول الزيارة، شهدت مدينة أكسفورد احتجاجات نظمها عدد من السودانيين المعارضين للحرب، تزامناً مع وجود الوفد السوداني داخل الجامعة.
وبحسب إفادات وشهادات متداولة، فقد تطورت الأوضاع خارج مقر الفعالية إلى مشادات وأحداث عنف أثارت ردود فعل واسعة داخل الأوساط السودانية والبريطانية.
وفي أعقاب تلك الأحداث، أصدرت جمعية جامعة أكسفورد السودانية بياناً شديد اللهجة أدانت فيه ما وصفته بأعمال العنف التي وقعت خارج اتحاد أكسفورد.
وأكدت الجمعية بصورة واضحة أنها لم تشارك في تنظيم الفعالية، مشيرة إلى أن الحدث كان نشاطاً خاصاً باتحاد أكسفورد وليس نشاطاً تابعاً لها.
وقالت الجمعية إن المشاهد التي صاحبت الاحتجاجات تركت أثراً بالغاً داخل المجتمع السوداني في أكسفورد، مضيفة أن الاعتداء على متظاهرين سلميين أمر لا يمكن قبوله تحت أي ظرف.
وشدد البيان على أن حق الاحتجاج والتعبير السلمي يمثل ركناً أساسياً في الحياة العامة البريطانية وفي تقاليد مدينة أكسفورد ومؤسساتها الأكاديمية.
وأضاف البيان: “الوفد الزائر لا يفرض قواعد اشتباكه الخاصة، بل يقبل قواعدنا، والاحتجاج السلمي ليس امتيازاً يُمنح أو يُسحب، وإنما حق أساسي”. كما أكدت الجمعية تضامنها الكامل مع المتضررين من الأحداث، معلنة استعدادها لتقديم الدعم اللازم لأي خطوات قانونية أو إجرائية قد يقررون اتخاذها.
أبعاد سياسية تتجاوز حدود الزيارة
ويرى متابعون أن التطورات المصاحبة لزيارة كامل إدريس تعكس تعقيدات أوسع تتعلق بالمشهد السوداني وتداعيات الحرب على العلاقات الخارجية.
ففي الوقت الذي تسعى فيه أطراف سودانية مختلفة إلى حشد دعم سياسي ودبلوماسي دولي، تبدو المؤسسات الغربية أكثر حذراً في التعامل مع القوى المرتبطة بالنزاع، خاصة في ظل تصاعد التقارير المتعلقة بالأوضاع الإنسانية والانتهاكات المرتبطة بالحرب.
كما يشير مراقبون إلى أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بزيارات سياسية أو لقاءات خارجية، بل أصبحت جزءاً من معركة أوسع تتعلق بالشرعية والتمثيل السياسي، في وقت ما تزال فيه الحرب تلقي بآثارها الثقيلة على السودان ومستقبله السياسي.
وفي ظل استمرار النزاع واتساع الانقسامات، تبدو أي تحركات خارجية للأطراف السودانية خاضعة لتدقيق سياسي وإعلامي متزايد، الأمر الذي يجعل نتائجها مرهونة بمدى قدرتها على تحقيق اختراقات حقيقية داخل دوائر التأثير الدولية، بعيداً عن الحضور الرمزي أو الإعلامي فقط.

