الرئيسيةاخبار سياسيةالحوار السوداني في خطاب العيد الـ 72 للجيش من استعادة العاصمة إلى...

الحوار السوداني في خطاب العيد الـ 72 للجيش من استعادة العاصمة إلى إعادة تشكيل المجال السياسي بشروط المنتصر

ذو النون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات – لندن

تقديم

في 14 أغسطس 2026، وبمناسبة الذكرى الـ 72 لتأسيس القوات المسلحة السودانية، أعلن رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان عن مبادرة “وطنية سودانية خالصة” لإطلاق حوار سوداني–سوداني شامل، يهدف إلى التوافق الوطني واستكمال مؤسسات الحكم، مع تركيز خاص على تشكيل المجلس التشريعي. وتعهد البرهان بأن يقتصر دور الدولة على التسهيلات والحماية، مع منح حصانة إجرائية مؤقتة للمشاركين لضمان انخراط القوى المعارضة.

وجاء الإعلان متزامناً مع استئناف البرهان نشاطه من القصر الجمهوري في الخرطوم، في خطوة رمزية لإعلان استعادة الدولة بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب. وتطرح هذه التطورات تساؤلات حول جدوى الحوار في ظل استمرار القتال، وما إذا كان يمثل مدخلاً لتسوية شاملة أم مجرد أداة لإعادة ترتيب المشهد السياسي وفق شروط المنتصر العسكري.

المعطيات

           أولاً: مضمون المبادرة وشروطها

أعلن البرهان موافقة القيادة على مبادرة “وطنية سودانية خالصة” لإطلاق حوار سوداني–سوداني شامل.

يهدف الحوار إلى الوصول إلى توافق وطني يمهد لاستكمال مؤسسات الحكم، مع تركيز خاص على تشكيل المجلس التشريعي.

تعهد البرهان بألا تتولى الدولة تنظيم الحوار أو صياغة أجندته، وأن يقتصر دورها على التسهيلات والحماية والضمانات القانونية والأمنية واللوجستية.

تضمن الإعلان حصانة إجرائية مؤقتة لتمكين شخصيات تواجه إجراءات جنائية من المشاركة دون ملاحقة.

–  إشكاليات المبادرة الأساسية:

إطلاق الحوار في ظل استمرار الحرب ودون وقف لإطلاق النار أو هدنة إنسانية.

صدور المبادرة عملياً من أحد أطراف الحرب الرئيسية، مما يطرح إشكالية الاستقلال والحياد.

عدم معالجة قضية تعدد الجيوش والمليشيات وبناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، رغم مركزيتها في السياق.

اختزال الأزمة السودانية في حرب 15 أبريل، بينما جذور الصراع تعود إلى أزمة البناء الوطني وقضايا توزيع السلطة والثروة منذ استقلال السودان.

التحليل

              أولاً: إشكالية الاستقلال والشرعية

يفترض في أي حوار وطني شامل أن يقوم على عملية مستقلة ومتوافق عليها، وفق المتعارف عليه في العمليات السياسية. ولا يكفي إعلان الدولة التزامها بالتسهيل وتعهدها بعدم وضع أجندة الحوار؛ إذ ينبغي أن يشمل الاستقلال أيضاً تشكيل اللجنة التحضيرية، وتحديد المشاركين، وقواعد إدارة العملية. وإذا تولى طرف في الحرب وحلفاؤه تشكيل هذه الأطر، يصبح الحوار أقرب إلى منصة سياسية تعكس موازين القوى القائمة منه إلى عملية وطنية جامعة. كما أن تأييد القوى السياسية والمسلحة المنخرطة في معسكر “حرب الكرامة” لدعوة البرهان لا يمنح المبادرة شرعية أوسع؛ إذ لا تُقاس جدية الحوار الوطني بعدد حلفاء السلطة الذين يقبلون المشاركة فيه، وإنما بقدرته على جمع القوى المعارضة ضمن عملية متكافئة تستهدف إنهاء الحرب.

ثانياً: خطر شرعنة واقع الحرب

تكمن خطورة المبادرة في احتمال تحول الحوار السياسي إلى وسيلة لشرعنة الواقع الذي أنتجته الحرب، ليس فقط باستمرار المكون العسكري في السلطة وفق تدابير دستورية جديدة، بل أيضاً بإدخال القوى المسلحة وأمراء الحرب إلى ترتيبات الحكم وفق أوزانهم العسكرية. وهذا يكرس السلاح كمصدر للشرعية السياسية، بدلاً من أن تكون العملية السياسية مدخلاً لإنهاء تعدد الجيوش والمليشيات وبناء مؤسسة عسكرية وطنية واحدة، وهي إحدى أبرز القضايا التي لم يتضمنها خطاب قائد الجيش، رغم مركزيتها في مناسبة العيد الـ 72 للقوات المسلحة.

ثالثاً: عسكرة السياسة وإشكالية الحركات المسلحة

تزداد هذه الإشكالية في ظل وجود الحركات المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش ضمن تحالف معركة الكرامة، فقد يؤدي الحوار بصورته الراهنة إلى عسكرة السياسة السودانية وتحويل القوة المسلحة إلى مصدر للنفوذ والشرعية السياسية. يجعل من الصعب ترسيخ العمل المدني والانتخابات باعتبارهما الطريق إلى السلطة، وذلك في حال انتقال هذه القوى المسلحة من ميدان الحرب إلى طاولة الحوار وهي تحتفظ بعتادها وتشكيلاتها العسكرية، وحصولها على وزن سياسي يتناسب مع دورها العسكري، لأنها تشرعن بالتجربة مجدداً أن حمل السلاح يوفر طريقاً أقصر للحصول على النفوذ والمشاركة في الحكم.

رابعاً: دلالة استعادة القصر الجمهوري

يحمل تزامن المبادرة مع عودة قائد الجيش إلى القصر الجمهوري رسالة بأن القوات المسلحة لم تستعد الخرطوم عسكرياً فحسب، وإنما أعادت السلطة المركزية إليها، في محاولة لتحويل إعادة السيطرة العسكرية على العاصمة إلى صورة لاستعادة الدولة والشرعية المؤسسية، والانتقال من مرحلة تثبيت المكاسب العسكرية إلى إعادة ترتيب المجال السياسي انطلاقاً من موقع القوة الذي حققه الجيش. غير أن رمزية استعادة القصر الجمهوري لا تعني استعادة الدولة، فاستمرار الحرب، وتعدد الجيوش والمليشيات، وانقسام السيطرة على الأرض في ولايات دارفور وكردفان والنيل الأزرق، كلها عوامل تجعل السيادة السودانية نفسها مجزأة.

الخلاصة والاستنتاجات

       1/ تفتح مبادرة البرهان المجال أمام مسار سياسي يقوم على إطلاق حوار يُفترض أن يقود إلى توافق وطني واستكمال مؤسسات الحكم، بالتوازي مع توفير مظلة قانونية وأمنية تتيح لخصوم السلطة المشاركة من دون ملاحقة فورية. غير أن إطلاق الحوار في ظل استمرار الحرب ودون وقف لإطلاق النار، وصدوره عملياً من أحد أطراف الحرب الرئيسية، يطرح إشكاليات جوهرية حول الاستقلال والجدوى والشرعية.

        2: الاختبار الأساسي لجدية المبادرة يكمن في مدى استقلالية الجهة التي ستتولى إدارة الحوار، وطبيعة القوى التي ستقبل المشاركة فيه، وما إذا كان سيشمل القوى المدنية المناوئة لقيادة الجيش أم سيظل محصوراً في القوى المتوافقة مع السلطة وحلفائها. فالجيش لا يحتاج إلى حوار مع القوى المؤيدة له بقدر حاجته إلى فتح قنوات سياسية مع القوى التي يختلف معها، وهو ما سيحدد في النهاية ما إذا كان الحوار قادراً على تجاوز دائرة الحلفاء والانفتاح على الخصوم السياسيين والمدنيين.

        3 : تكمن خطورة المبادرة في احتمال تحولها إلى وسيلة لشرعنة واقع الحرب، ليس فقط باستمرار المكون العسكري في السلطة، بل بإدخال القوى المسلحة وأمراء الحرب إلى ترتيبات الحكم وفق أوزانهم العسكرية، مما يكرس السلاح كمصدر للشرعية السياسية، ويجعل من الصعب ترسيخ العمل المدني والانتخابات كطريق إلى السلطة.

       4 : يعيب المبادرة اختزال الأزمة السودانية في حرب 15 أبريل أو في نشأة قوات الدعم السريع، بينما جذور الصراع السياسي عميقة وترتبط بأزمة البناء الوطني وطبيعة الدولة السودانية، وقضايا توزيع السلطة والثروة التي كانت وراء الحروب المتعاقبة منذ استقلال السودان عام 1956. ولذلك، ينبغي لأي تسوية مستدامة أن تتجاوز وقف القتال إلى معالجة جذور الأزمة، بما يشمل إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة، ومعالجة إرث التمكين الحزبي والجهوي لمؤسسات الدولة.

        5 / تزامن المبادرة مع عودة البرهان إلى القصر الجمهوري يوحي بانتقال قيادة الجيش من مرحلة استعادة العاصمة إلى مرحلة إعادة تشكيل المجال السياسي من موقع المنتصر عسكرياً، مما يجعل الحوار جزءاً من ترتيبات ما بعد استعادة العاصمة ومحاولة إعادة بناء مؤسسات السلطة، أكثر مما هو مدخل متوافق عليه لإعادة تأسيس النظام السياسي. وتبقى رمزية استعادة القصر الجمهوري لا تعني استعادة الدولة، طالما استمرت الحرب وتعددت الجيوش والمليشيات وانقسمت السيطرة على الأرض.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات