محمد صالح عبدالله يس
إن من حق الرجال الذين عاشوا للوطن لا لأنفسهم وللعلم لا للدنيا أن تحفظ سيرهم في بطون الكتب وأن تروى أخبارهم كما تروى سِيَر العظماء والنبلاء إذ كانوا مصابيح في ذلك الزمن الداجي ومنارات يهتدي بها الناس بعد رحيلهم ومن أولئك الأستاذ الجليل احمد ابو البشر رحمه الله فقدكان من بقية الجيل الذي آمن بأن رسالة المعلم عبادة وأن المدرسة محراب وأن الوطن لا يبنيه إلا أصحاب الأقلام بل تبنيه العقول المستنيرة والأقلام الحرة فطلاب العلم والمعرفة هم الذين يجعلون من وعيهم جسراً نحو المستقبل
ظللت لاكثر من خمسون عاما وصورته مرسومة علي ذاكرتي وقد تذكرت حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم حينما طلب اليه اصحابه ان يصف لهم الرسل الذين لقيهم في الاسراء والمعراج فقال لهم اما موسي فهو رجل آدم اي اسمر اللون فهو رجل طوال كانه من رجال اسد شنؤة واسد شنؤة قبيلة مشهورة بالطول واما عيسي فرجل كثير خيلان الوجه وجه بتقطر القا كانما خرج من ديماس( هو الحمام ) اما ابراهيم فاشبه الناس به صاحبكم هذا هكذا انتهي وصف رسول الله صلي الله عليه وسلم للرسل الذين قابلهم في تلك الليلة المباركة قصدت ان ابدأ الكلام عن استاذي احمد ابوالبشر بهذا الوصف النبوي فقد كان رجلا كثير خيلان الوجه وتمتد خيلانه حتي عنقه وربما يتذكره الذين عرفوه من تلاميذه واصدقائة فمؤكد انهم شاهدوا تلك العلامات عل وجهه ورقبته فعيون الطفولة تحفظ التفاصيل فهي لا ترى الأشياء فحسب بل تحفظ تفاصيلها فكل مشهد يمر أمامها يظل محفورا في نخاع الذاكرة حتى تأتي الأيام فتكتشف أن ما نسيه الكبار ما زال حيا في عيون الصغار اذكر جيدا يوم دخل علينا في الفصل لاول مرة وكنا نجلس علي حصير نفترش الارض فالفصل كان حجرة واسعة تبدو في بساطتها وكأنها تختصر ملامح المدرسة في ذلك الزمن اركانه الأربعة مشيدة بالطوب الأحمر وجدرانها من الأسمنت السميك ( لطش ) تعلوها سقيفة من القصب والحصير والمحريب وقد شدت من الداخل بأسلاك رفيعة تمنحها شيئا من التماسك في مواجهة الشمس وعاتيات الرياح وكان للغرفة أربعة نوافذ نافذتان تطلان إلى الناحية الشمالية وأخريان إلى الناحية الجنوبية فتدخل منها أشعة الشمس والهواء وتمنحان المكان قدرًا من الضوء والتهوية
يجلس على كل برش خمسة تلاميذ متجاورين. ولم يكن عددنا يتجاوز الثلاثين تلميذا لذلك كان الفصل يبدو أحيانا هادئا ومألوفا وأحيانا أخرى يمتلئ بأصواتنا وضحكاتنا وحركتنا الطفولية
كان بيننا تلاميذ جاءوا من القرى القريبة بعيدا عن أسرهم لأنعدام المدارس فقراهم لم تكن بها مدارس وكان هؤلاء يقيمون في مساكن وغرف قريبة من المدرسة تعرف باسم الداخليات يتقاسمون فيها حياة جديدة بعيدة عن دفء البيوت والأهل. أما الغالبية فكانوا من أبناء المدينة يأتون إلى المدرسة كل صباح من منازلهم ويحملون معهم أحلامهم الصغيرة التي لم تكن تعرف بعد إلى أين ستقودهم الأيام
في ذلك الفصل المتواضع بدأت مسيرتي مع التعليم لم تكن هناك مقاعد فاخرة ولا وسائل تعليمية كثيرة لكن كان هناك المعلم والكتاب والسبورة وبروش الزعف الذي جمعتنا صغارا حول حلم واحد وبين جدرانه الأسمنتية وتحت سقفه المصنوع من القصب تشكلت أولى ذاكرتنا المدرسية ومنها بدأت خطواتنا الأولى في طريق طويل اسمه التعليم وكانت الفصول الثلاثة الباقية مبنية بطوب القمير ومسقوفة بالزنك
وفي اول يوم لنا بالمدرسة حضرنا مبكرين يغطينا شوق عارم واول ماوقع في اعيننا راينا التلاميذ يجمعون بعض الاوساخ المرمية هنا وهناك في فناء المدرسة وراينا بعض التلاميذ الكبار يحملون اوراقا واقلام يتابعون زملاءهم وكنا حديثي عهد بهذا النظام فالتجربة غريبة علينا فمعظمنا اتينا من مجتمعات وبيئات لم تعرف معني الانضباط والنظام
ضرب جرس الطابور واستوي جميع الطلاب في اماكنهم الانحن ظللنا نبحث عن مكان نقف عليه حتي وقف امامنا احد تلاميذ الصف الرابع وكان تلميذا انيقا يرتدي جلابية من البوبلين وطاقية بيضاء اتدرون من هو ؟ انه الفريق كمال ابوشوك فاشار الينا ان هلموا هنا وخط لنا خطين برجله ودعا الجميع ان يقف في محاذاة الخط ومنذ ذلك اليوم عرفنا ان ذلك هو طابور الصباح الذي يبدأ به اليوم الدراسي بدا المعلم المشرف علي الطابور في تفقد التلاميذ ويتاكد من نظافة ملابسهم ولاتخلو حملة التفتيش هذه من عقوبة لبعض التلاميذ من اصحاب الملابس المتسخة ومن حسن الحظ لم يكن من بيننا في ذلك اليوم تلميذ ملابسه متسخة فاولياء الامور كانوا حريصين ان يظهر ابنائهم في ذلك اليوم في اجمل مظهر كيف لا هو اليوم الاول لتواجدهم في ذلك المكان وبعد الطابور توجهنا الي الفصل مباشرة فقد كان مكان الطابور قريبا من الفصل دخل الينا رجلا ربعا بين الطول والقصر تكسو بشرته سمره خفيفة يرتدي جلبابا انيقا وعمامة ناصعة البياض وملفحة مزركشة همس الجميع ويقولون الناظر الناظر زاتو فوقفنا جميعا ثم ألقى علينا السلام بصوت عال السلام عليكم فرد بعض التلاميذ السلام بينما وقف آخرون واجمين لا يعرفون ماذا يقولون وهمهموا بعبارات فهم منها المعلم أنها طريقتهم البسيطة في رد السلام في مجتمعاتهم كانت لحظة عفوية كشفت له أن أمامه أطفالا ياتون من بيئات مختلفة وأن مهمته لن تكون تعليمهم القراءة والكتابة فحسب بل تعريفهم أيضا بعالم جديد من العادات والتقاليد ثم قالنا جلوس او اجلسوا فجلس بعضنا وبعضنا مازالو وقوف حتي صاح باعلي صوته اقعدو تحت ففهما الجميع فجلسوا
كان الاستاذ يحمل ادوات كثيرة في يدة منها لوحة خشبية مكتوب عليها اسماء التلاميذ لاحقا عرفنا انه جدول التمام وجدول الحصص مكتوب عليها اسماء التلاميذ اما اللوحة الثانية فهي صورة لاسد مرسوم وعرفه متدلي بغزارة وفمه اشبة بفم مرية الشاعر صلاح احمد ابراهيم اما اللوحة الثالثة فهي وراقة خشبية بها عدد من النوت وهي جزء من نصف الكراسة ومعه علبة محشوة باقلام الرصاص بدأ الحصة بان طلب منا ان من يسمع اسمه يقف معتدلا ثم يقول نعم كنا نحن خمسة تلاميذ في برش واحد شخصي وابوذر الغفاري واخوه ضياء الدين وهما ابناء الاستاذ ويتوسطهم احمد عوض ماكن ثم يليه الفاضل احمد جمعه الذي كثيرا ما كان ينسي مكان جلوسه حتي اطلق عليه الاستاذ احمد لقب ( سخيل رايح ) وقد لازمه هذا اللقب طوال حياته وقد اطلق الاستاذ ايضا لقب ( كرتوب ) علي الاخ احمد عوض ماكن والي يوم الناس هذا لا شخصي ولا الاخ احمد عوض نعلم ماهيه هذا اللقب ولم نجد له تفسيرا حتي يوم الناس هذا كنت محظوظا ان جلست بين ابناء المدير وابن الصراف وابن التاجر الفاضل احمد جمعة وساتحدث عن هذه العلاقة التي انقطعت بيني والاخ ابوذر فلم نلتقي منذ ان غادروا امكدادة في رفقة والدهم الذي نقل الي امبروا في ذلك العام وقدر الله ان التقيت بابوذرالغفاري الذي اصبح محاميا كبيرا في نيالا يومها كنت مديرا للاذاعة والتلفزيون بها فتعانقا وبكينا كثيرا
واستعدنا الق تلك الايام الباكرة في حياتنا اما الدكتور ضياء الدين فلم التقيه غير مرة واحدة عندما تواصلت معه عبر التلفون عريته في وفاة احد الاقرباء واما الفاضل احمد جمعه انقطع التواصل بيننا منذ اكثر من خمسة وثلاثون عاما ولكن اخباره لم تنقطع اما احمد عوض فمازال التواصل بيننا ودائما يسالني عن اباذر وضياء فهو لم يراهم منذ ان افترقنا ونحن في الصف الاول بمدرسة امكدادة الاولية وليست الابتدائية كما يطلق عليها اليوم ونواصل