الثلاثاء, مايو 12, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةدبلوماسية الحافة… لقاء متوتر في جيبوتي يكشف عمق الازمة السودانية الإثيوبية

دبلوماسية الحافة… لقاء متوتر في جيبوتي يكشف عمق الازمة السودانية الإثيوبية

وكالات:السودانية نيوز

في منطقة تتبدل فيها التحالفات بسرعة تفوق قدرة الدول على استيعابها، جاء ظهور مالك عقار في جيبوتي بدلًا عن عبد الفتاح البرهان ليكشف عن لحظة سياسية شديدة الحساسية، حيث لم يعد الغياب مجرد تفصيل بروتوكولي، بل رسالة محسوبة بعناية في سياق أزمة تتصاعد بين السودان وإثيوبيا. فاختيار الخرطوم إرسال نائب رئيس مجلس السيادة بدل القائد العام للقوات المسلحة لم يكن خطوة عفوية، بل محاولة لإدارة التوتر دون الانزلاق إلى قطيعة كاملة، وفي الوقت ذاته تجنب منح آبي أحمد صورة سياسية قد تُقرأ باعتبارها تجاوزًا عن الاتهامات الأخيرة.
فالدعوة التي وُجهت للبرهان تحولت إلى حضور عقار وفق مجلة افق جديد، في صيغة دبلوماسية تُبقي الباب مواربًا: لا مصافحة كاملة، ولا قطيعة نهائية. وفي ظل الاتهامات السودانية لإثيوبيا بالضلوع في هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع حساسة في الخرطوم والنيل الأبيض، بدا اللقاء في جيبوتي محاولة لاحتواء أزمة تتسع دوائرها، أكثر منه خطوة نحو تسوية حقيقية.
انعقد الاجتماع برعاية الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله، الذي بدا مدركًا أن بلاده لا تملك ترف صناعة اتفاق شامل، لكنها تستطيع — على الأقل — منع انزلاق التوتر إلى مواجهة مباشرة بين دولتين تمثلان ركيزتين أساسيتين في توازنات القرن الأفريقي. وتشير التسريبات إلى أن اللقاء بدأ بحدة واضحة، وسط تبادل مباشر للاتهامات، قبل أن ينتهي إلى تفاهمات أولية غير معلنة، يُرجح أنها ركزت على وقف التصعيد وفتح قنوات اتصال أمنية.
لكن خلف هذا المشهد الدبلوماسي، تتكشف طبقات أعمق من الأزمة. فالسودان يستند — وفق مصادر قريبة من الملف — إلى تقارير إعلامية دولية ومعلومات استخبارية حصل عليها عبر تعاون مع أطراف إقليمية، بينها تركيا، تشير إلى تحركات مرتبطة بإثيوبيا في سياق دعم محتمل لقوات الدعم السريع. وفي المقابل، ترى أديس أبابا أن الخرطوم تحاول تصدير أزمتها الداخلية، وأن الاتهامات تأتي في لحظة يحاول فيها السودان إعادة ترتيب جبهاته العسكرية.
وتتداخل هذه الاتهامات مع تاريخ طويل من الشكوك المتبادلة. فإثيوبيا تتهم السودان بإدارة قنوات اتصال مع فصائل إثيوبية معارضة، وتعتقد أن جهاز المخابرات السوداني يلعب دورًا في تنسيق أنشطة مجموعات مسلحة تستهدف استنزافها داخليًا. وقد تضاعفت هذه الحساسية بعد اتفاق بريتوريا، إذ لا تزال الدولة الإثيوبية تعاني من هشاشة داخلية تجعلها تنظر بقلق إلى أي تحرك إقليمي قد يعيد إشعال جبهاتها القومية.
وفي المقابل، ترى الخرطوم أن إثيوبيا تستغل انشغال السودان بحربه الداخلية لإعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة، سواء في ملف الحدود أو النفوذ الأمني أو حتى في حسابات سد النهضة. ويزداد هذا التوتر تعقيدًا مع دخول إريتريا في خلفية المشهد، إذ تنظر أديس أبابا بعين الريبة إلى أي تقارب سوداني‑إريتري، خاصة بعد أن دخلت علاقتها مع أسمرة مرحلة توتر مكتوم عقب حرب تيغراي.

ولا يمكن فصل هذا المشهد عن حضور مصر في الحسابات الإثيوبية، إذ ترى أديس أبابا أن الخرطوم — رغم ظروفها الحالية — لا تزال أقرب إلى الموقف المصري في ملف سد النهضة، وأنها تتحرك أحيانًا ضمن رؤية إقليمية أوسع تتعلق بتوازنات المياه والنفوذ في حوض النيل.

وسط هذا التشابك، تبدو الوساطة الجيبوتية أقرب إلى محاولة “تثبيت حرارة الأزمة” عند مستوى يمكن التحكم فيه، بدلًا من السعي إلى حل جذري. فالأزمة بين السودان وإثيوبيا ليست خلافًا عابرًا، بل صراعًا يتصل بإعادة تشكيل النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، في لحظة تتغير فيها موازين القوى بسرعة.

ولهذا، فإن أي تهدئة حالية ستظل مؤقتة، ما لم تُعالج جذور الأزمة الكبرى: الحرب في السودان، الهشاشة الإثيوبية الداخلية، صراع النفوذ الإقليمي، وأزمة سد النهضة التي تظل عاملًا حاسمًا في حسابات الطرفين.

وحتى ذلك الحين، ستظل العلاقة بين الخرطوم وأديس أبابا معلقة بين خيارين: تهدئة هشة تُدار بالمسكنات، أو انفجار مؤجل ينتظر شرارة جديدة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات