دكتور الوليد مادبو
شخصيات يصعب الاتفاق معها، لكن الأصعب من ذلك أحيانًا هو فهمها. ولعل عبدالواحد محمد نور يظل، منذ اندلاع حرب دارفور وحتى اللحظة، أحد أكثر الفاعلين السياسيين استعصاءً على التفسير التقليدي. فهو الرجل الذي بنى مجده الرمزي على الرفض، وحافظ — رغم كل التحولات والانكسارات — على صورة القائد الذي لم يُستأنس داخل حظيرة المركز، ولم يساوم على خطابه الجذري تجاه الدولة السودانية وبنيتها التاريخية.
لكن المعضلة التي باتت تفرض نفسها اليوم ليست في ثبات الرجل على مواقفه، بل في طبيعة هذا الثبات نفسه: هل ما يزال عبدالواحد يمارس “راديكالية منتجة” تدفع النقاش السوداني إلى الأمام، أم أن هذه الراديكالية تحولت تدريجيًا إلى ما يشبه العجز البنيوي عن الانتقال من لحظة الاحتجاج إلى لحظة البناء السياسي؟
هذا السؤال يكتسب أهميته من المفارقة التي فجّرتها مشاركته الأخيرة في “إعلان المبادئ” بنيروبي. فالرجل الذي ظل، لعقود، يرفض معظم المبادرات والتحالفات السودانية، ويُبدي شكوكًا عميقة تجاه النخب المدنية والحركات السياسية، وجد نفسه فجأة داخل منصة سياسية تضم ذات القوى التي ظل يعتبرها جزءًا من الأزمة أو عاجزة عن فهمها.
ولذلك بدا المشهد، للكثيرين، أقرب إلى تناقض يصعب تفسيره. كيف ينضم عبدالواحد إلى قوى ظل ينتقد سطحيتها السياسية وعجزها عن فهم طبيعة الدولة السودانية؟
غير أن التفسير، في تقديري، لا يكمن في فكرة “التناقض” بقدر ما يكمن في فهم التحول العميق الذي فرضته الحرب نفسها على بنية السياسة السودانية. ذلك أن الحرب الحالية لم تعد مجرد صراع عسكري بين جيشين، بل تحولت إلى عملية إعادة توزيع واسعة للسلطة الرمزية والاجتماعية داخل السودان. فالدولة التي ظلت، منذ الاستقلال، محتكرة من مركز نيلي ضيق، بدأت تتعرض لأول هزة تاريخية حقيقية تهدد احتكارها للعنف والهوية والتمثيل السياسي معًا.
ومن هذه الزاوية، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل انفجارًا لمسألة اجتماعية ظلت مؤجلة لعقود طويلة. وهنا تحديدًا يمكن فهم جانب من سلوك عبدالواحد. فالرجل، منذ بدايات تمرده في دارفور، لم يكن يحمل مجرد مطالب جهوية أو تفاوضية، بل كان — بدرجات متفاوتة — يطرح نقدًا جذريًا لفكرة الدولة السودانية نفسها. لقد ظل يتحدث عن العلمانية، والمواطنة المتساوية، وتفكيك المركز، وإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، في وقت كانت فيه النخب السودانية تعتبر مثل هذه الأطروحات ضربًا من التطرف السياسي أو الترف الفكري.
لكن المفارقة أن هذه المفاهيم نفسها بدأت، تحت ضغط الحرب والانهيار، تجد طريقها إلى الخطاب السياسي العام، بما في ذلك الوثائق التي خرجت من “تحالف السودان التأسيسي” نيروبي. ولأول مرة تقريبًا، أصبح الحديث عن إعادة تأسيس الدولة، لا مجرد إصلاح السلطة، جزءًا من التداول السياسي السوداني. وهنا وجد عبدالواحد نفسه أمام معضلة معقدة: هل يظل خارج المشهد حفاظًا على نقائه الرمزي؟ أم يدخل إلى العملية السياسية محاولًا تثبيت بعض الأسس الفكرية التي ظل ينادي بها طوال سنوات؟
في تقديري، اختار الرجل الدخول من الباب الخلفي، ولكن دون أن يغادر نفسيًا موقعه التقليدي كرجل يقف دائمًا خارج الاصطفافات. ولهذا بدا سلوكه مترددًا وملتبسًا في آن واحد: يشارك دون أن يندمج، ويوقع دون أن يثق، ويقترب دون أن يتخلى عن مسافته النقدية تجاه الجميع.
وهذا ليس مجرد تفصيل نفسي، بل سمة تكاد تكون ملازمة لكثير من قادة الحركات الثورية الذين أمضوا سنوات طويلة في العزلة السياسية أو المنافي أو الأدغال. فهذه التجارب تُنتج مع الزمن نوعًا من الارتياب البنيوي تجاه التحالفات، وتجعل القائد أكثر قدرة على مقاومة النظام من قدرته على بناء شراكات مستقرة داخل واقع سياسي متحول.
لكن العامل الأكثر أهمية، ربما، يتمثل في التحول الذي أحدثته الحرب في تمثيل الهامش السوداني نفسه. فظهور محمد حمدان دقلو وقواته بوصفهم قوة قادرة على كسر احتكار المركز للعنف السيادي، أعاد تشكيل الخريطة الرمزية للهامش بطريقة لم تكن موجودة من قبل. وللمرة الأولى، لم يعد خطاب المظلومية التاريخية حكرًا على الحركات المسلحة التقليدية، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بفاعلين عسكريين يمتلكون قوة مادية هائلة على الأرض.
وهذا تطور لا يستطيع عبدالواحد تجاهله. لأن جزءًا كبيرًا من رمزيته السياسية تأسس أصلًا على تمثيل ذلك الهامش الغاضب والمهمش. ولذلك قد يكون انضمامه إلى “قوى إعلان المبادئ السوداني” بنيروبي محاولة لمنع اختزال قضية الهامش السوداني في التعبير العسكري للدعم السريع وحده، أو ترك عملية إعادة تشكيل السودان تتم في غيابه الكامل.
وهنا تحديدًا تبدو أزمة عبدالواحد اليوم. فهو ما يزال يمتلك قدرة عالية على تشخيص عيوب الدولة السودانية، لكنه يبدو أقل قدرة على الانتقال من لحظة الاحتجاج الأخلاقي إلى لحظة إنتاج السياسة التي تتضمن نوعًا من المخاطرة. فالسياسة ليست فن الحفاظ على النقاء، بل فن التعامل مع الوقائع الناقصة. والدول لا تُبنى عبر المواقف المثالية وحدها، بل عبر القدرة على تحويل الخصومات والتناقضات إلى ترتيبات قابلة للحياة.
وهذه هي النقطة التي تبدو فيها تجربة عبدالواحد معلقة بين عالمين: عالم الثورة الذي صنع مجده الرمزي، وعالم السياسة الذي يفرض عليه، لأول مرة، أن يجلس داخل الغرفة نفسها التي ظل يرفض دخولها لعقود.
May 26, 2026

