الرئيسيةاخبار سياسيةمآس إنسانية متعددة للاجئين السودانيين في شرق تشاد

مآس إنسانية متعددة للاجئين السودانيين في شرق تشاد

طيبة سر الله
مع تطاول أمد الحرب التي دخلت عامها الرابع، وانعدام الحلول الواقعية لوقف القتال، تشهد مخيمات اللاجئين السودانيين في شرق تشاد أنواعاً متعددة من المعاناة، تبدأ بنقص المواد الغذائية نتيجة لتوقف الدعم العالمي والإقليمي وتشمل انهيار التعليم وانعدام الرعاية الصحية، وتفشي المجاعة، مما يجعل آلاف اللاجئين ومعظمهم من النساء والأطفال يواجهون أخطاراً بليغة نتيجة لهذه الأوضاع الكارثية ويخوضون يومياً صراعاً مريراً من أجل الحصول على أبسط الاحتياجات التي تجعلهم يبقون على قيد الحياة.
وفي عشرات المخيمات المُكونة من الأكواخ الفقيرة المصنوعة من المواد المحلية مثل الأعشاب الجافة وأغصان الأشجار وقطع القماش البالية، المنصوبة في المناطق شبه الصحراوية في تشاد ، وجد آلاف السودانيين الفقراء الذين فروا من الحرب الدائرة في بلادهم أنفسهم في بيئة قاحلة، تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة، إذ تتضور النساء جوعاً ويهيم الأطفال على وجوههم دون تعليم ويئن المرضى من الآلام المُبرحة ويلتحف العجزة والمسنون الشمس دون مأوى يحجب عنهم الحر وزمهرير البرد.
وبينما لا تلوح في الأفق بادرة أمل بعودتهم إلى وطنهم، كذلك يواجهون أوضاعاً تزداد تعقيداً يوماً تلو اليوم.
في ظل هذه الظروف البائسة قضت مريم عبدالله ثلاث سنوات داخل خيمة صغيرة مُشيدة من قطع الأقمشة والبلاستيك البالية، لا يوجد بها سرير للنوم ولا بطانيات ولا أغطية تتدثر بها في ليالي الشتاء القارس.
ورغم ضيق الخيمة، تتقاسمها مريم مع ستة أبناء أكبرهم فتاة في التاسعة عشرة من عمرها، وأصغرهم في الرابعة من عمره.
تقول مريم التي انفصلت عن زوجها في بداية الحرب ولا تعرف مكانه اليوم وتعيش حاليا في مخيم علاشا للاجئين السودانيين لـ”السودانية نيوز”، إنها وصلت إلى المخيم من مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور بعد ستة شهور من اندلاع الحرب وسيطرة الدعم السريع على المدينة التي ارتكبت فيها أبشع الانتهاكات.
وتوضح المرأة التي تعيش حالياً ضمن حوالي 60 ألف لاجئ في المخيم بأنها قطعت مسافات طويلة سيراً على الأقدام، وعندما وصلت إلى المخيم لم يكن لديها أموال ولا ممتلكات، واضطرت للبقاء عدة أيام في العراء قبل أن تحصل على مساعدات لبناء خيمة صغيرة تمزقت في الوقت الحالي بسبب العوامل الطبيعية، مؤكدة على أنها ظلت خلال السنوات الماضية تعتمد على المساعدات القليلة التي كانت تحصل عليها من منظمات الأمم المتحدة وتتمثل في المواد الغذائية والرعاية الصحية.
وأخبرت مريم بأن المساعدات القليلة التي كانت تحصل عليها في السابق على قلتها وعدم كفايتها للأسرة حتى نهاية الشهر، تم تقليصها في الشهور الماضية وأصبحت غير منتظمة مما تسبب في زيادة معاناتهم اليومية، حيث أصبحوا في بعض الأوقات يقضون 24 ساعة على وجبة طعام واحدة.
بدورها تعاني أم كلثوم إبراهيم وهي أم لأربعة أبناء من ظروف أكثر قسوة في مخيم أب تنيقى الذي وصلت إليه في منتصف العام 2024 بعد رحلة لجوء قاسية من قرية نائية في جنوب دارفور، وتعيش أم كلثوم وأبناؤها وهم ثلاثة أولاد وبنت مثل كل اللاجئين في خيام بدائية من المواد المحلية تخلو من الفرشات والبطانيات وأسرة النوم، ويتقاسمون الطعام القليل الذي يحصلون عليه بشق الأنفس من خلال قيامهم بأعمال شاقة منها العمل في صناعة الطوب وغسيل وكي الملابس.
وتقول أم كلثوم لـ”السودانية نيوز”، :” كانت المساعدات الغذائية التي نحصل عليها من المنظمات الدولية رغم قلتها مع ما نوفره من عملنا اليومي تسد حاجتنا حتى نهاية الشهر ولكن في الفترات الأخيرة أصبحت المساعدات غير منتظمة وحتى عندما تصلنا تكون غير كافية مما جعلنا نعاني بشدة من الجوع. هذا بجانب عدم تمكننا من الحصول على بقية الأشياء الضرورية للإنسان مثل اللبن والخضراوات واللحوم”.
وتتابع المرأة ” توقفنا منذ زمن طويل عن تناول اللبن لأنه إما غير متوفر أو أننا لا نستطيع شراءه، وكذلك اللحوم والخضراوات ونعتمد في طعامنا على أبسط الأشياء مثل دقيق الذرة والعدس وهذه غير كافية تماما فقد أصبحنا نعاني من الجوع باستمرار وعرضة للأمراض بسبب نقص المناعة والهزال الدائم”.
وتكاد تتطابق معاناة اللاجئين في كل المخيمات في شرق تشاد مع بعضها البعض، ومن مخيم مجي الذي يضم حوالي 55 ألفاً، تصف مكرام عبدالله أوضاع اللاجئين بالقاسية، حيث يعانون من النقص الشديد في المواد الغذائية ومياه الشرب. وتشير إلى قلة المواد التي يحصل عليها اللاجئون من خلال الدعم الذي توزعه منظمات الأمم المتحدة بصورة أصبحت غير منتظمة منذ عدة شهور.
وتقول مكرام وهي أم لثلاثة أطفال لـ”السودانية نيوز”، :” يحصل كل لاجئ شهرياً على حوالي ملوة ونصف الملوة من الذرة والقليل من الزيت والعدس والملح، ولكن هذه المواد على قلتها أصبحت غير منتظمة في عدد من المخيمات التي يعاني سكانها من الجوع، وفي بعض الأوقات توزع كل ثلاثة أشهر أو شهرين، وهي في الحقيقة لا تكفي الفرد لأكثر من أسبوع واحد وتضطر الأُسر لتدبر أمر معيشتها للثلاثة أسابيع المتبقية من الشهر”.
تضيف مكرام ” المخيمات كثيرة تتجاوز 20 مخيماً يوجد بها أكثر من مليون لاجيء وبسبب وعورة الطُرق وصعوبة الحركة تتأخر المساعدات في مرات كثيرة وهذا ينعكس على أوضاع اللاجئين المعيشية الذين ليس لديهم أي أعمال او أنشطة يقومون بها، ويعتمد أغلبهم على المساعدات القليلة التي توزع عليهم مما يجعل من أمر تأخرها ونفاد الكمية قبل استلام الحصة الجديدة يشكل معضلة قاسية للأسرة التي لا تملك ما يسد رمقها عندما تنفد المساعدات الغذائية”.
وفي حالة ليس نادرة في مخيمات النزوح يواجه إبراهيم سليمان ظروفاً إنسانية متداخلة، فهو يعاني من عدد من الأمراض المزمنة ويحتاج إلى الرعاية الصحية اليومية ولغذاء خاص وفي نفس الوقت لا يوجد لديه أي مصدر دخل ويعتمد كلياً على المساعدات الإنسانية التي أصبحت شحيحة للغاية منذ بداية العام الجاري، وتوزع بغير انتظام، ويؤكد إبراهيم وهو آب لسبعة أبناء يوجد منهم ستة في مخيم أركم الذي يعيش فيه والآخر مفقود منذ بداية الحرب بأن أوضاع اللاجئين أصبحت غاية في السوء بسبب تفشي الجوع والبطالة وتقليص المساعدات الإنسانية.
ويقول إبراهيم لـ”السودانية نيوز”، :” لا يمكن للإنسان أن يقضي أعواماً بدون غذاء كاف ورعاية صحية ومسكن يحفظ كرامته، ونحن حالياً في المخيمات نحتاج للطعام والعلاج والمأوي وأن آلاف الأطفال لم يحصلوا على التعليم من سنوات لعدم استطاعة المنظمات توفير التعليم لأبناء المخيمات”.
ويضيف” نحن اليوم نواجه صعوبات بالغة بعد دخول الحرب للعام الرابع، وإعلان المنظمات الدولية عن عدم مقدرتها على تمويل اللاجئين السودانيين في شرق تشاد، فقد أصبحنا اليوم نعيش في أوضاع غير إنسانية بسبب قلة الغذاء وصعوبة الحصول على العلاج ولو استمر الوضع بهذه الصورة سوف تشهد المخيمات موت كثير من اللاجئين بسبب الجوع خاصة بين الأطفال والنساء وكبار السن الذين ليس لديهم القدرة الجسمانية لمقاومة الجوع والأمراض المتعددة المنتشرة بينهم”.

بدوره يقول الناشط الإنساني في مخيمات اللاجئين بشرق تشاد أحمد عبدالله إن اللاجئين يمرون بظروف إنسانية صعبة تتمثل في تفشي الجوع والأمراض وحالة الإحباط التي أصابتهم نتيجة لتطاول أمد الحرب التي دخلت عامها الرابع.
وقال عبدالله لـ”السودانية نيوز”، إن تراجع المساعدات الإنسانية بسبب نقص التمويل انعكس سلباً على اللاجئين الذين أصبحوا يواجهون مخاطر كثيرة منها الجوع وسوء التغذية وسط ارتفاع في أسعار المواد الغذائية وصعوبة في الحصول على مياه الشرب والخدمات الصحية، مشيراً إلى أن أزمة المياه لا تقل عن ازمة الغذاء حيث أن بعض المخيمات يوجد بها أكثر من 60 ألف لاجئ يضطر كل لاجئ للوقوف في صفوف الماء لأكثر من ست ساعات للحصول على جالون بسعة 30 رطلاً من الماء للشرب.
وكانت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي، حذرتا في وقت سابق من أن أكثر من مليون لاجئ سوداني في تشاد يواجهون تخفيضات فورية وربما قاتلة في المساعدات الأساسية، تشمل الغذاء والمياه والمأوى والحماية والرعاية الصحية، وذلك مع دخول النزاع في السودان عامه الرابع وأوضحت الوكالتان أن المساعدات الحيوية المقدمة للاجئين في تشاد مرشحة لمزيد من التقليص خلال الأشهر المقبلة، ما لم يتم سد فجوة تمويلية تبلغ 428 مليون دولار منها 289 مليون دولار مخصصة للمفوضية و139 مليون دولار لبرنامج الأغذية العالمي.
وقالت الوكالتان أن الموارد الحالية لا تسمح بتقديم سوى المساعدة الأساسية لأربعة من كل عشرة لاجئين، مما يترك الكثيرين منهم يعانون من نقص حاد في المأوى والمياه والرعاية الصحية الأساسية.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات