الإثنين, أبريل 27, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةمالي في مفترق الطرق: الهجمات الإرهابية تهدد بقاء منظومة الحكم والدولة

مالي في مفترق الطرق: الهجمات الإرهابية تهدد بقاء منظومة الحكم والدولة

ذو النون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقدير موقف:
تقديم: شهدت جمهورية مالي يوم السبت 25 أبريل 2026 سلسلة هجمات مسلحة عالية التنسيق استهدفت مواقع سيادية وعسكرية في العاصمة باماكو ومدن استراتيجية في الشمال، في أخطر اختبار أمني تواجهه البلاد منذ سنوات. ويعكس هذا التصعيد تحولاً نوعياً في قدرة الجماعات المسلحة على الجمع بين الضربات الحضرية والعمليات الميدانية المتزامنة.
المعطيات:
• بدأت الهجمات مع ساعات الفجر، باستهداف مدرسة الدرك الوطني في فالادي ومحيط مطار موديبو كيتا الدولي، ما أدى إلى حالة ارتباك واسعة داخل العاصمة، خصوصاً مع قرب المواقع المستهدفة من قاعدة كاتي العسكرية، التي تمثل مركز الثقل العسكري والسياسي.
• بالتوازي، شنت وحدات مسلحة هجمات متزامنة على ثكنات ومراكز مراقبة تابعة للجيش المالي وفيلق “أفريقيا” الروسي في مناطق متفرقة من إقليم أزواد، في مؤشر على تنسيق عملياتي عالي المستوى. وقد ترافقت هذه العمليات مع تصاعد الاشتباكات في الشمال، وسط حالة ترقب في المدن الرئيسية ونزوح جزئي للمدنيين.
• سجلت تحركات عسكرية على الشريط الحدودي بين مالي وموريتانيا وحالة استنفار، مع سماع دوي انفجارات في بعض القرى، بالتزامن مع إعلان مجموعات مسلحة سيطرتها على نقاط عبور ومواقع استراتيجية كانت تحت سيطرة القوات الحكومية.
• تبنّت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المسؤولية عن العمليات في باماكو، مؤكدة استهداف مقر الرئاسة ووزارة الدفاع ومطار العاصمة ومواقع عسكرية في كاتي. كما أعلنت السيطرة على مدينة دونتي ومعظم المواقع العسكرية في سيفاري وواغو، إضافة إلى مدينة كيدال، بالتنسيق مع حركة تحرير أزواد وقوى محلية متحالفة.
في المقابل، اكتفت الرئاسة المالية ببيان مقتضب أكدت فيه إحباط محاولة تسلل إلى مدرسة الدرك في فالادي، مشيرة إلى نجاح القوات المسلحة في صد الهجوم، ومشددة على تأمين المواقع الحيوية في العاصمة، دون تقديم تفاصيل حول الوضع في الشمال.
التحليل:
تطورات الاحداث الأمنية في مالي تفرض إحدى السناريوهات الاتية، نجاح القوات الحكومية بدعم روسي في استعادة السيطرة على الأوضاع الأمنية خلال الفترة القادمة واحتواء الأثر النفسي والسياسي، أو استغلال المجلس العسكري للهجمات الإرهابية في الانفتاح على شراكات أمنية أوسع – بما فيها إعادة التواصل مع الغرب – إدراكاً بأن الشراكة الروسية وحدها غير كافية لمواجهة هذا المستوى من التهديد ومن أجل الحيلولة دون تكراراها. أو أن تنجح الجماعات المسلحة في تحويل هذه الهجمات إلى مقدمة لعمليات أكبر، تستغل فيها الارتباك الحكومي والفراغ الاستخباراتي لتوسيع رقعة سيطرتها في محيط العاصمة والمناطق الحدودية.
تعكس التطورات جملة من المؤشرات النوعية:
أولاً: تكشف الهجمات عن مستوى متقدم من التنسيق العملياتي، من خلال تنفيذ ضربات متزامنة في العاصمة والشمال، ما يدل على قدرة الجماعات المسلحة على المناورة عبر مسارح متعددة.
ثانياً: يشير الإقرار بالتنسيق مع حركة تحرير أزواد إلى تشكل نمط تحالف ميداني يجمع بين الفاعلين الجهاديين والقوى ذات الطابع الإثني–الانفصالي، بما يعزز فعالية العمليات ويوسع نطاقها الجغرافي.
ثالثاً: يعكس عرض تحييد الجانب الروسي مقابل وقف استهدافه توجهاً براغماتياً يتجاوز الخطاب التقليدي، ويؤشر إلى محاولة إعادة ترتيب أولويات الصراع بما يخدم تثبيت المكاسب الميدانية.
رابعاً: تضع قدرة المسلحين على الوصول إلى أهداف داخل باماكو الرواية الرسمية تحت ضغط متزايد، إذ تشير إلى اختراقات أمنية محتملة وتحديات في منظومة الحماية، خاصة في ظل تزامن الهجمات مع تصعيد في الشمال.
الخلاصة:
**تشير الهجمات المنسقة إلى انتقال الجماعات المسلحة في مالي إلى مرحلة أكثر تقدماً من حيث التخطيط والتنفيذ، مع توسيع نطاق العمليات جغرافياً وتعزيز شبكات التحالف. وفي ظل هذا الواقع، تبدو الاستجابة الرسمية محدودة في احتواء الأثر السياسي والأمني للهجمات، ما يعكس فجوة متزايدة بين التهديدات الميدانية وقدرات الدولة على التعامل معها.
**يرجح أن يفرض هذا التصعيد مراجعة شاملة لمقاربات الأمن والدفاع، في ظل استمرار الضغوط على الجبهات المختلفة وتنامي قدرة الجماعات المسلحة على المبادرة العملياتية.
**أثبتت هجمات السبت 25 أبريل 2026 أن مالي تجاوزت مرحلة التهديد المتمركز في الأطراف، لتدخل مرحلة التهديد الذي يطرق أبواب العاصمة. ويطرح تساؤلات حول مقدرة الدولة المالية في الدفاع عن مركز ثقلها السياسي والعسكري في جبهات متعددة.
** تؤكد العمليات الإرهابية جدوى التعاطي السياسي مع جزور الأزمة، وتبرهن على فشل الاستراتيجية الأمنية في ظل غياب إصلاح حوكمي حقيقي يجفّف منابع التجنيد ويقنع المجتمعات المهمشة بأن الدولة قادرة وجديرة بالثقة
**إذا عجزت الحكومة المالية على السيطرة الأمنية والسياسية، فقد تجد مالي نفسها أمام سيناريو مشابه للمسار السوري؛ إذ قد تتمكن الجماعات المسلحة من اقتحام العاصمة باماكو والمدن الكبرى، لتفضي هذه الموجة إلى إسقاط الحكم العسكري واستبداله بقيادة ذات طابع إسلامي. وهو تحول لن تقتصر تداعياته على مالي وحدها، بل سيلقي بظلاله الثقيلة على المشهد السياسي والأمني في سائر دول غرب أفريقيا.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات