بقلم: عبدالله اسحق محمد نيل
ما خرج به مجلس الأمن يوم الجمعة 11 سبتمبر 2026 ليس انتصاراً نهائياً لحكومة الأمر الواقع في بورتسودان ولا هزيمة نهائية لمشروع حماية المدنيين. ما حدث هو تمديد تقني لنظام العقوبات على السودان لمدة شهر واحد فقط حتى 9 أكتوبر. وهذا هو المحك الذي يجب أن نتوقف عنده طويلاً.
التمديد القصير ليس إجراءً طبيعياً. لو كان هناك توافق على الإبقاء على الوضع الراهن لكان التمديد السنوي هو الخيار المنطقي. لكن اللجوء إلى شهر واحد يعني شيئاً واحداً أن الخلاف الأساسي حول الصيغة الجديدة لم يحسم. المشروع الأمريكي الذي كان يهدف إلى توسيع حظر السلاح رقم 1591 ليشمل كامل السودان وإدخال الطائرات المسيرة ومكوناتها والتكنولوجيا المرتبطة بها ضمن القيود لم يسقط. هو فقط أُجل. والمعركة الحقيقية انتقلت إلى التاسع من أكتوبر.
ماذا يعني هذا للسودان؟
يعني أن الباب لا يزال مفتوحاً أمام جولة جديدة من الضغط الدولي. فخلال الأسابيع القادمة ستتكثف المفاوضات حول مسودة معدلة. والولايات المتحدة وحلفاؤها يدفعون بقوة لتوسيع نطاق الحظر. وفي المقابل هناك دول داخل المجلس رفضت الصيغة التي تضع كامل البلاد تحت الحظر في وقت تستمر فيه الحرب. هذا التباين منح الخرطوم مساحة سياسية لكنها مساحة مؤقتة ويجب ألا تُهدر في الاحتفال بتمديد تقني.
الخطر القادم ليس فقط في توسيع الحظر. هناك ملفات أخرى تطبخ على نار هادئة داخل أروقة المجلس. عقوبات فردية على قادة في حكومة بورتسودان. توسيع معايير الإدراج لتشمل العنف الجنسي والاختطاف والهجمات على العاملين في المجال الإنساني. وفي أسوأ السيناريوهات الحديث عن سحب الاعتراف أو تقليص الشرعية الدولية للحكومة.
المعادلة التي يجب أن تطرحها الخرطوم
السؤال الذي يجب أن يقفز إلى واجهة الخطاب السوداني في أكتوبر هو: إذا كان الهدف حماية المدنيين ووقف تدفق السلاح فلماذا يكون الضغط داخل السودان فقط؟
لا يمكن قبول حظر واسع على قدرة الدولة الدفاعية بينما تبقى شبكات الإمداد الخارجية التي تغذي الحرب خارج دائرة المساءلة. من أين يأتي السلاح؟ من يموله؟ من يوفر التكنولوجيا والتدريب واللوجستيات والمقاتلين؟ التقارير الأممية الأخيرة عن شبكات عابرة للحدود تمتد من كولومبيا إلى الإمارات وتستخدم تشاد وليبيا والصومال كمحطات عبور يجب أن تتحول من مادة إعلامية إلى حجة قانونية وسياسية في يد الدبلوماسية السودانية.
الرسالة يجب أن تكون واضحة لمجلس الأمن: إما ضغط شامل على مصادر الإمداد ومموليها وميسريها، أو لا ضغط على الإطلاق. المعادلة الناقصة التي تضبط السلاح داخل السودان وتترك من يشعل الحرب من الخارج بمنأى عن العقاب لن تمر.
مستقبل المواجهة: أربعة مسارات
المسار العسكري الميداني: الأسابيع حتى 9 أكتوبر ليست للانتظار. المطلوب من الهيئة الميدانية لحكومة السلام الانتقالية العمل على تأمين أكبر قدر من التقانة العسكرية وتأمين الطرق والمدن وتهيئة الميدان بشكل أفضل. أي تقدم ميداني قبل أكتوبر يعطي موقفاً تفاوضياً أقوى داخل المجلس.
المسار السياسي الدولي: يجب الانتقال من موقف الاعتراض إلى موقف المبادرة. طرح رؤية متكاملة لوقف الحرب تبدأ بمعالجة البيئة الخارجية للإمداد. الانفتاح على مؤسسات الأمم المتحدة وتقارير تقصي الحقائق وتحويلها إلى أدوات ضغط مضاد.
المسار الإعلامي: المعركة الإعلامية لم تبدأ بعد. يجب كشف ازدواجية المعايير. كيف يطلب من السودان ضبط السلاح بينما تصمت الدول عن شبكات التمويل والتجنيد؟ كيف تدافع دول عن حكومة ورد في تقارير أممية أنها استخدمت أسلحة محرمة؟ هذه الأسئلة يجب أن توضع على طاولة الرأي العام العالمي.
المسار القانوني: استخدام تقارير البعثة الأممية لتقصي الحقائق. إذا كان هناك حديث عن جرائم وانتهاكات فليكن الحديث شاملاً وليس انتقائياً. وليكن هناك مطالبة بتحقيق دولي في شبكات الدعم الخارجي بنفس الحدة التي يُطالب بها بالتحقيق داخل السودان.
في النهاية اقول ان تاريخ ٩أكتوبر أهم من سبتمبر. التمديد لشهر واحد يحمل دلالة سياسية أكبر من مدته. هو إعلان أن مجلس الأمن منقسم وأن المعركة لم تحسم.
ما حدث في مجلس الأمن لا يعني نهاية مشروع توسيع الحظر يعني لكنه يعني أن المشروع لم يجد الطريق السهل. وفي 9 أكتوبر سيكون السؤال الأصعب هل يستطيع المجلس أن يفرض حظراً داخل السودان ويعجز عن وقف عند الحرب محاسبة من يستخدم الأسلحة الكيميائية ضد الشعب السوداني وير فض وقف الحرب ويمنع وصول المساعدات الإنسانية الي المتضررين ؟
إذا أراد المجتمع الدولي إنهاء الحرب فليبدأ بمن هو مصمم علي استمرارها ويصنع الياتها المدمرة لاستمرارها وإذا أرادت تأسيس أن تنتصر فعليها أن تعمل الآن في كل الاتجاهات. ميدانياً ودبلوماسياً وإعلامياً وقانونياً. لأن المعركة القادمة لن تكون على نص قرار فقط بل ستكون على من يملك تعريف “حماية المدنيين” ومن يحدد من هو الجاني ومن هو الضحية.
التاريخ لا ينسى. والشهر القادم سيكتب من وقف مع السودان ومن وقف ضد شعبه.