بقلم السفير الصادق المقلي.
لخمس سنوات و نيف و على مدار الساعة،،ظل الوطن و الشعب السوداني يسدد فاتورة العزلة الدولية و الأقليمية الباهظة .. فمنذ إنقلاب أكتوبر ٢٠٢١ غاب السودان من خمس قمم أفريقية.. قمم الاتحاد الأفريقي مع شركاء التنمية.. قمتان مع امريكا،،، اليابان،،، فرنسا،،، الاتحاد الأوروبي،، و قمة واحدة مع إيطاليا… قمة الطاقة في دار السلام.. منتدى الطاقات المتجددة في أبوظبي بشراكة مع الوكالة الدولية للطاقات المتجددة.. ERiNA..
قمة أفريقيا الي الأمام Africa Forward.. ستتعرض لها الحق.. كما فقد السودان عضويته غير الدائمة في مجلس الأمن ضمن مقاعد أفريقيا الثلاثة.. منذ، عام ١٩٧٢..و لعلم القارئ الكريم…الصومال الدولة المنقسمة و غير المستقرة عضو غير دائم حاليا في مجلس الأمن !!!!
كما فقد السودان مقعده في منظمة ساموا …سابقة EU ACP بسبب الجنائية .. و أخرها كان منتدي الميا في انجمينا.. موضوع هذا المقال .
لم يعد غياب السودان عن المحافل الدولية مجرد غياب بروتوكولي، بل أصبح يعني الغياب عن موائد اتخاذ القرار، وعن المبادرات التي ترسم مستقبل التنمية في القارة الأفريقية، وتحشد مليارات الدولارات لتمويل الكهرباء والمياه والزراعة والطاقة.
فبعد غياب السودان عن مبادرة Mission 300 الرامية إلى إيصال الكهرباء لنحو 300 مليون أفريقي، جاء غيابه مرة أخرى عن منتدى المياه الأفريقي الأول الذي انعقد في العاصمة التشادية إنجمينا يومي 15 و16 يوليو 2026 تحت شعار “من الرؤية إلى التنفيذ”، بتنظيم مشترك بين حكومة تشاد ومجموعة البنك الدولي، وبمشاركة واسعة من بنك التنمية الأفريقي وشركاء التنمية والمؤسسات المالية الإقليمية والدولية.
ولم يكن المنتدى مجرد مؤتمر لمناقشة قضايا المياه، بل منصة قارية لوضع رؤية جديدة تعتبر الأمن المائي أساسًا لتحقيق الأمن الغذائي، وإنتاج الطاقة، والتنمية الاقتصادية، والتكيف مع التغيرات المناخية.
وقد ناقش المشاركون قضايا تمويل السدود، وتطوير الري الحديث، وحصاد مياه الأمطار، وإدارة المياه العابرة للحدود، وتحسين خدمات مياه الشرب والصرف الصحي، وتعزيز قدرة الدول الأفريقية على مواجهة موجات الجفاف والفيضانات.
وشارك في المنتدى رؤساء دول وحكومات، ووزراء المالية والمياه والزراعة والطاقة، إلى جانب مجموعة البنك الدولي، وبنك التنمية الأفريقي، والمؤسسات المالية الدولية، ومنظمات الأحواض النهرية، وعدد من شركاء التنمية والقطاع الخاص، في تأكيد واضح على أن قضية المياه أصبحت إحدى أولويات التنمية في أفريقيا.
وأكد المنتدى أن أكثر من 400 مليون أفريقي لا يزالون يفتقرون إلى مياه شرب آمنة، بينما تعاني مئات الملايين من ضعف خدمات الصرف الصحي، وأن القارة تحتاج إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية للمياه والري والطاقة الكهرومائية، مع العلم أن نحو 90% من الموارد المائية الأفريقية مشتركة بين دولتين أو أكثر، الأمر الذي يجعل التعاون الإقليمي ضرورة استراتيجية.
وخرج المنتدى بعدد من النتائج المهمة، من أبرزها اعتماد إعلان إنجمينا، وإطلاق مبادرة إعداد مواثيق وطنية للمياه لتحديد أولويات الاستثمار والإصلاح في كل دولة، إضافة إلى الإعلان عن مشروعات جديدة لتعزيز الأمن المائي ومواجهة الجفاف، وزيادة التمويل المخصص لمشروعات المياه والري والتنمية الريفية.
كما أكد البنك الدولي أن مبادرة Water Forward تستهدف توسيع الاستثمارات في السدود متعددة الأغراض، والري الحديث، وحصاد مياه الأمطار، وإدارة الموارد المائية، بما يسهم في تحسين فرص حصول مئات الملايين من الأفارقة على المياه بحلول عام 2030.
من جانبه، جدد بنك التنمية الأفريقي التزامه بمواصلة تمويل مشروعات المياه والري والطاقة الكهرومائية والبنية التحتية المرتبطة بها، باعتبارها ركيزة لتحقيق الأمن الغذائي والنمو الاقتصادي في القارة.
لكن وسط هذا الحراك التنموي الكبير، غاب السودان مرة أخرى.
ولم يصدر تفسير رسمي لهذا الغياب، إلا أن استمرار الحرب والعزلة التي فرضتها على البلاد جعلا السودان بعيدًا عن واحدة من أهم المنصات التي يجري فيها رسم أولويات التمويل التنموي في أفريقيا.
والخسارة هنا لا تقتصر على غياب مقعد في قاعة الاجتماعات، وإنما تمتد إلى ضياع فرص كان يمكن أن تسهم في معالجة كثير من التحديات التي تواجه السودان.
فالسودان من أكثر الدول حاجة إلى برنامج وطني واسع لحصاد مياه الأمطار في ولايات دارفور وكردفان والشرق، بما يخفف آثار الجفاف ويوفر المياه للإنسان والثروة الحيوانية، ويحد من النزاعات حول الموارد الطبيعية.
كما أن قطاع الرعي كان يمكن أن يستفيد من إنشاء المزيد من الحفائر والآبار وشبكات المياه، بما يدعم المجتمعات الرعوية ويحسن إنتاجيتها ويقلل من آثار التغير المناخي.
وفي القطاع الزراعي، تبرز الحاجة إلى إعادة تأهيل مشاريع الجزيرة والرهد وحلفا الجديدة وغيرها من المشاريع المروية، من خلال تحديث شبكات الري، وتمويل مضخات الري الحديثة، وتحسين كفاءة استخدام المياه، بما يعيد للقطاع الزراعي دوره في دعم الاقتصاد الوطني وتحقيق الأمن الغذائي.
أما في قطاع الطاقة، فإن إعادة تأهيل وصيانة سد مروي، وتحديث محطات التوليد الكهرومائية، وتأهيل خطوط نقل الكهرباء، وتطوير أنظمة التشغيل والسلامة، كلها مشروعات يمكن أن تجد دعمًا من مؤسسات التمويل الدولية في إطار برامج الأمن المائي والطاقة النظيفة وإعادة إعمار البنية التحتية.
إن التجارب الأفريقية تؤكد أن الدول التي تحضر هذه المنتديات وهي تحمل رؤى واضحة ومشروعات مدروسة، تكون أقدر على جذب التمويل وبناء الشراكات، بينما تدفع الدول الغائبة ثمنًا باهظًا يتمثل في ضياع الفرص وتأخر التنمية.
ولعل أخطر ما تكشفه هذه الوقائع ليس غياب السودان عن مؤتمر بعينه، وإنما تحول هذا الغياب إلى نمط متكرر في أهم المبادرات التنموية التي تشهدها القارة الأفريقية. فمن مبادرة Mission 300 التي تستهدف إيصال الكهرباء إلى نحو 300 مليون أفريقي، إلى منتدى المياه الأفريقي الذي يقود جهود توفير المياه الآمنة لنحو 400 مليون إنسان، يجد السودان نفسه خارج منصات تُصاغ فيها أولويات التنمية، وتُحدد فيها المشروعات، وتُعبأ من خلالها مليارات الدولارات من مؤسسات التمويل الدولية وشركاء التنمية.
ولا شك أن إنهاء الحرب واستعادة الاستقرار وتشكيل حكومة مدنية فاعلة ينبغي أن يضع في مقدمة أولوياته إعادة السودان إلى هذه المنصات، ليس من أجل الحضور الدبلوماسي فحسب، وإنما للدفاع عن مصالحه التنموية، وعرض مشروعاته الوطنية في مجالات حصاد مياه الأمطار، وتنمية المراعي، وتطوير الري، وإعادة تأهيل المشاريع الزراعية الكبرى، وصيانة سد مروي ومحطات التوليد الكهرومائية، وتأهيل شبكات الكهرباء، حتى يستعيد السودان مكانه الطبيعي بين الدول الأفريقية الساعية إلى
تحويل مواردها الطبيعية إلى تنمية مستدامة تعود بالنفع على مواطنيها…
ولذلك، فإن إنهاء الحرب وتشكيل حكومة مدنية قادرة على إعادة دمج السودان في مؤسسات التمويل الدولية، واستئناف التعاون مع البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي وسائر شركاء التنمية، لم يعد مجرد هدف سياسي، بل أصبح شرطًا أساسيًا لاستعادة فرص التنمية، وتأمين مستقبل المياه والكهرباء والزراعة في السودان.

