الرئيسيةمقالاتأمي هل سنعود إلى بيتنا؟

أمي هل سنعود إلى بيتنا؟

اصوات السودانيين

بقلم /حيدر المكاشفي

​نساء وأطفال دارفور الضحية الأولى لحرب لا تعرف الرحمة
​(أمي هل سنعود إلى بيتنا) هذا السؤال ليس من عندي بل هو لطفلة صغيرة لم يتجاوز عمرها الأعوام السبعة وجهته لأمها وهي تجلس إلى جوار خيمة مهترئة في أحد معسكرات النزوح بدارفور، لم تجد الأم جواباً وانما اكتفت بالنظر إلى الأفق البعيد، حيث تركت خلفها قرية أحرقت وزوجاً غاب في أتون الحرب، وذكريات لم يعد لها مكان إلا في القلب. كانت الام في رحلة نزوحها تحمل طفلها الرضيع بيد، وتشد ابنتها صاحبة السؤال باليد الأخرى، بينما يثقل الجوع جسدها المنهك. لم تكن تبحث عن وطن جديد، بل عن جرعة ماء أو حفنة دقيق أو ليلة تمر دون أصوات الرصاص والخوف. هذه المرأة ليست حالة استثنائية، بل صورة تختصر حكاية مئات الآلاف من نساء دارفور اللاتي تحولت حياتهن إلى سلسلة متواصلة من الفقد والنزوح والجوع والخوف، في واحدة من أسوأ الكوارت الإنسانية التي يشهدها العالم. . ففي دارفور، تبدو المرأة هي الطرف الذي يحمل العبء الأكبر، ليس لأنها تقف في خطوط القتال، وإنما لأنها تتحمل نتائجها كاملة. فهي الأم التي فقدت أبناءها، والزوجة التي غاب معيلها، والنازحة التي تركت منزلها، والمرأة التي تواجه الجوع والمرض والخوف والعنف في آن واحد، والحرب في دارفور لا تقتل بالرصاص وحده بل تقتل أيضاً بالجوع وبالنزوح وبغياب الدواء، وبالصمت الدولي الذي طال أكثر مما ينبغي. وإذا كان الرجال هم وقود المعارك، فإن النساء أصبحن وقود المأساة الإنسانية التي تلنهم الإقليم يوما بعد آخر. اليوم تمتلئ معسكرات النزوح بآلاف النساء اللاتي فقدن كل شيء تقريبا. فقدن المنازل والمزارع ومصادر الرزق، والازواج والأبناء، وحتى الإ احساس بالأمان. كثيرات أصبحن المعيل الوحيد لأسر ممزقة، يحاولن انتزاع لقمة العيش في بيئة لا توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة. وتؤكد تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية أن النساء والأطفال يشكلون الغالبية الساحقة من النازحين في دارفور، بينما تتزايد الاحتياجات الإنسانية بوتيرة أسرع من قدرة المنظمات على الاستجابة، نتيجة نقص التمويل واستمرار القيود الأمنية واللوجستية التي تعيق وصول المساعدات.
​ الجوع ليس الوجه الوحيد للمأساة..
​فالمرأة الدارفورية تواجه حرباً أخرى لا تقل قسوة، تتمثل في مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، والانتهاكات التي تتكرر مع كل موجة نزوح، وفي الطرق المؤدية إلى مصادر المياه، وأثناء البحث عن الحطب أو الغذاء، وفي مناطق يغيب عنها القانون وتحضر فيها قوة سلاح. وفي الوقت الذي تتوالى فيه بيانات الإدانة، تبقى الحماية الحقيقية غائبة، وتتبقى العدالة مؤجلة، بينما تكبر أعداد الضحايا بصمت. ولا تقف معاناة المرأة عند حدود النزوح والجوع، إذ تحذر تقارير حقوقية بصورة متكررة من تصاعد مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك الاعتداءات والانتهاكات التي تتعرض لها النساء أثناء النزوح أو أثناء البحث عن الماء والحطب أو خلال محاولات الوصول إلى الأسواق والمرافق العامة. ومع ضعف وادلجة وتسييس المؤسسات العدلية والأمنية، تجد كثير من الضحايا أنفسهن عاجزات عن الإبلاغ أو الحصول على الإنصاف، فتتحول الجريمة إلى عبء جديد يضاف إلى سلسلة طويلة من المعاناة. ولأن الحرب لا تكتفي بسرقة الحاضر فقد سرقت المستقبل أيضاً. آلاف الفتيات انقطعن عن التعليم، ونساء حوامل يلددن في خيام تفتقر إلى أبسط وسائل الرعاية الطبية، وأمهات يراقبن أطفالهن وهم يذبلون بسبب سوء التغذية ونقص الدواء. إن انهيار النظام الصحي في دارفور لم يعد مجرد أزمة خدمات، بل تحول إلى حكم بطيء بالموت على النساء والأطفال. فالمراكز الصحية القليلة التي ما زالت تعمل تعاني نقصاً حاداً في الأدوية والكوادر، فيما تتوسع رقعة الأمراض وسوء التغذية بوتيرة تنذر بكارثة أكبر. وإذا كانت الحرب قد كشفت هشاشة الدولة، فإنها كشفت أيضاً حجم التقصير الدولي. فرغم التحذيرات المتكررة من الأمم المتحدة ووكلات الإغاثة، لا تزال الاستجابة الإنسانية أقل كثيراً من حجم الكارثة، بينما تتراجع المساهمات المالية وتتسع فجوة الاحتياجات. أما أطراف الحرب فقد انشغلت بحسابات السيطرة والنفوذ، تاركة المدنيين وفي مقدمتهم النساء والأطفال يدفعون الثمن كاملا ٠ وكلما طال امد الصراع ازداد عدد الأرامل وانسعت دائره اليتم , وتضاعفت إعداد النساء الاتي يحملن علي اكتافهن مسؤليه اسر كاملة بلا دخل ولا حماية ولا أفق ٠

​ نساء دارفور لا يخضن حرباً واحدة ولا اثنتان بل ثلاث حروب
​لقد أصبحت المرأة في دارفور تخوض ثلاث حروب في وقت واحد، حرب الرصاص وحرب الجوع وحرب النسيان. ولعل أكثر ما يثير الألم أن العالم اعتاد سماع أخبار دارفور حتى كادت المأساة تفقد قدرتها على إثارة الصدمة، بينما لا تزال النساء هناك يبدأن كل صباح بالسؤال ذاته، كيف ننجو اليوم.. إن إنقاذ نساء دارفور واطفالها لم يعد شأناً إنسانياً فحسب، بل اختباراً حقيقياً لضمير العالم، ولقدرة السودانيين أنفسهم على وقف حرب لم تعد تميز بين مقاتل ومدني، ولا بين طفل وشيخ، ولا بين رجل وامرأة. وستظل دارفور تكتب كل يوم فصولاً جديداً من الألم، ما دام السلاح أعلى صوتاً من العدالة، وما دامت السياسة أعجز من أن تنقذ امرأة ما دام طفلها بيد، وما تبقى من وطنها باليد الأخرى. إن حماية المرأة في دارفور لم تعد قضية اجتماعية أو حقوقية فحسب، بل أصبحت ضرورة إنسانية وسياسية. ويتطلب ذلك وقف الانتهاكات بححق المدنيين، وضمات وصول المساعدات دون عوائق، وتوفير الحماية للنازحين، ودعم الخدمات الصحية، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات وفق القانون الدولي. فالمرأة في دارفور لا تحتاج إلى مزيد من بيانات الإدانة بقدر ما تحتاج إلى إجراءات عملية تنهي دوامة الحرب، وتعييد إليها حقها في الأمن والكرامة والحياة..

المادة السابقة
مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات