تقدير موقف
ذو النون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم
في 5 أغسطس 2026، اتهمت حكومة إقليم تيغراي قوات الدعم السريع بالمشاركة إلى جانب الجيش الإثيوبي في العمليات العسكرية التي استهدفت غرب الإقليم، في أول إشارة رسمية من جهة إثيوبية إلى انخراط الدعم السريع في نزاع داخل الأراضي الإثيوبية، وهو ما اعتبرته جبهة تحرير تيغراي خرقاً لاتفاق بريتوريا 2022.
وتأتي هذه الاتهامات في سياق تصاعد التوتر بين السودان وإثيوبيا، وتبادل الاتهامات بشأن دعم جماعات مسلحة على جانبي الحدود، فضلاً عن سوابق لعمليات عابرة للحدود نسبت للدعم السريع في تشاد، وذلك بالتزامن مع تقدم الجيش السوداني ميدانياً وتصاعد الخطاب العسكري في تيغراي.
ورغم غياب أدلة مستقلة، فإن أهمية هذه الاتهامات تكمن في دلالتها السياسية، إذ تنقل الدعم السريع من طرف في نزاع داخلي إلى فاعل أمني عابر للحدود، مما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت الحرب السودانية تتجه نحو إنتاج مسرح عمليات إقليمي مترابط، يمتد من دارفور إلى الحدود الإثيوبية.
المعطيات
أولاً: التطورات الميدانية في تيغراي:
- شهدت منطقة شررينا غرب إقليم تيغراي، الواقعة بالقرب من الحدود السودانية، في الأول من أغسطس 2026، اشتباكات بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وعناصر تابعة لجبهة تحرير تيغراي. ووفق الرواية الرسمية الإثيوبية، بدأت الأحداث بعد تسلل قوة من الجبهة يُعتقد أنها انطلقت من داخل الأراضي السودانية ونفذت عمليات استهدفت ممتلكات مستثمرين زراعيين، قبل أن ترد القوات الفيدرالية بقصف مدفعي وجوي استهدف مواقع الجبهة. وبعد أربعة أيام، وتحديداً في 5 أغسطس، صعّدت حكومة إقليم تيغراي موقفها بإعلان أن قوات الدعم السريع شاركت إلى جانب الجيش الإثيوبي في الهجوم على غرب الإقليم. وفي المقابل، اعتبرت الجبهة أن العملية تمثل خرقاً لاتفاق بريتوريا، متهمة الحكومة الفيدرالية بتقويض أسس التسوية السياسية.
ثانياً: التصعيد السياسي الإثيوبي السابق وسوابق العمليات العابرة للحدود - في مايو 2026، اتهمت وزارة الخارجية الإثيوبية الجيش السوداني بتقديم دعم مالي وتسليحي لمقاتلين تابعين لجبهة تحرير تيغراي، ووصفتهم بـ”المرتزقة”، وزعمت أن بعضهم شارك في الحرب السودانية وأن السودان أصبح منصة لقوى مناهضة لإثيوبيا. وتتقاطع هذه الاتهامات مع سوابق اتهمت فيها قوات الدعم السريع بتنفيذ عمليات عسكرية داخل الأراضي التشادية، من بينها مهاجمة حامية عسكرية في يناير 2026، وتنفيذ هجوم بطائرة مسيّرة على بلدة طينة الحدودية في مارس من العام نفسه، مما يشير إلى نمط متكرر من السلوك العابر للحدود.
التحليل:
لا يمكن النظر إلى الاتهامات الصادرة عن حكومة تيغراي باعتبارها مجرد امتداد للخلاف القائم مع الحكومة الفيدرالية الإثيوبية، بل تمثل مؤشراً على تزايد التداخل بين الصراعات الداخلية في السودان وإثيوبيا. فمجرد إدخال قوات الدعم السريع في معادلة الصراع الإثيوبي يعكس إدراكاً متزايداً لدى الأطراف الإقليمية بأن الحرب السودانية أصبحت تمتلك تأثيرات تتجاوز حدود السودان. - الدلالة السياسية للاتهامات: ورغم غياب أدلة مستقلة تثبت مشاركة قوات الدعم السريع في العمليات العسكرية داخل تيغراي، فإن أهمية هذه الاتهامات تكمن في دلالتها السياسية والاستراتيجية أكثر من قيمتها الميدانية. فهي تنقل الدعم السريع، في الخطاب الرسمي الإقليمي، من كونه طرفاً في نزاع داخلي إلى فاعل أمني يُنظر إليه باعتباره مؤثراً في استقرار دول الجوار، وهو ما يعزز المخاوف من تحول الصراع السوداني إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار في القرن الأفريقي.
- التداعيات الإقليمية المحتملة: تشير التطورات الأخيرة إلى أن التوصيف الإقليمي للحرب السودانية لم يعد يقتصر على اعتبارها نزاعاً داخلياً، بل يتجه بصورة متزايدة إلى التعامل معها باعتبارها أزمة ذات تداعيات أمنية عابرة للحدود. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في ظل اهتمام الإيغاد بمنع انتقال النزاعات بين الدول الأعضاء. ورغم أن هذه الاتهامات لا تشكل، في حد ذاتها، أساساً كافياً لإدانة قوات الدعم السريع، فإن تراكمها قد يسهم في زيادة الضغوط السياسية عليها، من خلال تآكل شرعيتها الإقليمية، وترسيخ صورتها كفاعل أمني عابر للحدود، كما قد يوفر مبررات لدول الإقليم لتعزيز الرقابة على تحركاتها وشبكات الإمداد والتمويل المرتبطة بها.
- الترابط بين الجبهتين السودانية والإثيوبية: تكشف التطورات الأخيرة عن تزايد الترابط بين الجبهة السودانية والجبهة الإثيوبية، فمن جهة، يواجه الدعم السريع ضغوطاً عسكرية متزايدة داخل السودان مع استمرار تقدم الجيش السوداني في عدة محاور، ومن جهة أخرى، يشهد غرب تيغراي تصعيداً عسكرياً يفتح احتمال تشكل جبهة حدودية جديدة تتداخل فيها الحسابات السودانية والإثيوبية. وإذا استمر هذا المسار، فقد تصبح الحدود المشتركة ساحة لتقاطع النزاعات، بما يرفع من احتمالات الصراع بالوكالة بين الفاعلين المحليين والإقليميين.
- الانعكاسات على قوات الدعم السريع: قد يفرض انشغال الدعم السريع بأي امتداد إقليمي محتمل أعباء عملياتية إضافية، ويؤدي إلى تشتيت مقدراتها ومواردها، وهو ما قد يصب في مصلحة الجيش السوداني إذا استمرت عملياته الهجومية الحالية. غير أن هذا السيناريو يبقى مرتبطاً بمدى صحة الاتهامات ومدى وجود تنسيق فعلي مع أطراف داخل إثيوبيا. فإذا ثبتت صحتها، فإن ذلك سيزيد من أعبائها ويشتت مواردها، وحتى لو لم تثبت، فإن تراكم الاتهامات قد يسهم في تآكل شرعيتها الإقليمية وزيادة العزلة السياسية.
الخلاصة والاستنتاجات:
أولاً: تدخل الحرب السودانية مرحلة تتزايد فيها التداعيات الإقليمية، مع تنامي الترابط بين الملفات الأمنية في السودان وإثيوبيا. ورغم أن الاتهامات بمشاركة قوات الدعم السريع في العمليات العسكرية داخل تيغراي لا تزال بحاجة إلى تحقق مستقل، فإن انتقالها إلى المستوى الرسمي يعكس تصاعد القلق من تحول النزاع السوداني إلى أزمة عابرة للحدود، وهو ما قد يغير طريقة تعامل المنظمات الإقليمية والدولية مع الحرب السودانية.
ثانياً: العلاقات بين إثيوبيا والسودان لم تعد تقتصر على الخلافات التقليدية حول الفشقة أو مياه النيل، بل دخلت مرحلة تبادل الاتهامات باستخدام وكلاء مسلحين، مما يعزز فرضية تشكل صراع إقليمي منخفض الحدة يعتمد على الفاعلين غير الحكوميين أكثر من المواجهة العسكرية المباشرة. وهذا التحول قد يجعل من الصعب احتواء الأزمات المستقبلية ضمن الإطارات الدبلوماسية التقليدية.
ثالثاً: قد تشهد المنطقة تشكّل مسرح عمليات أكثر ترابطاً، تتداخل فيه الصراعات السودانية والإثيوبية، بما يرفع من مستوى المخاطر على أمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر. وفي المقابل، قد يؤدي فتح جبهة توتر جديدة على الحدود الإثيوبية إلى فرض ضغوط إضافية على قوات الدعم السريع، في وقت تواجه فيه تصعيداً عسكرياً متواصلاً داخل السودان، مما قد يعيد تشكيل موازين الصراع خلال المرحلة المقبلة.
رابعاً: الاتهامات الموجهة إلى قوات الدعم السريع قد تدفع الإيغاد إلى إعادة توصيف الحرب السودانية من نزاع داخلي إلى أزمة ذات تداعيات إقليمية، وهو تحول قد يفتح الباب أمام مواقف أكثر تشدداً تجاه أي طرف يثبت تورطه في زعزعة استقرار دول الجوار، ويعزز الرقابة على تحركات الدعم السريع وشبكات الإمداد والتمويل المرتبطة به

