الرئيسيةاخبار سياسيةالجميل الفاضل يكتب: البلاء في السودان ليس لعنة؟!

الجميل الفاضل يكتب: البلاء في السودان ليس لعنة؟!

لو كان السودان مجرد أرضٍ لابتلعته الحروب منذ أمدٍ بعيد. ولو أنه كان محض تاريخ، لالتهمته جحافل الغزاة، كما التهمت أسماء أممٍ لا يحصيها العد. فضلاً عن أن في السودان شعباً صعب المراس، ربما لا تحيط به حتى تعريفات كتب الاجتماع والسياسة؛ فالشعوب هناك تُقاس بالكثرة، وتُوزن بالاقتصاد، وتُحصى بجداول السكان، أما السودان فشيءٌ آخر، عصيٌّ على كل تلك الموازين، كأنه سرٌ اتخذ من التراب الأسمر جسداً، ثم مضى يعبر القرون دون أن يسمح للزمن أن يستنفده. إنه أقرب إلى سرٍّ أودعه الخالق في هذا التراب ذاته، ثم أخفى مفاتيحه عن أعين المؤرخين جميعاً، عرباً وعجماً. إذ كلما نظرتُ إلى هذا البلد، خُيِّل إليَّ أن الله لم يخلق أرضه وشعبه على قِرار سائر البلاد وأنماط الشعوب. لقد عجن الباريء طينها بشيءٍ من الصبر لم يُعطِه لغيرها. وأجرى في عروقها نهراً لا يحمل الماء وحده، وإنما يحمل شفرة الخليقة الأولى. ثم تركها على قارعة الزمن، لتكون مختبراً أبدياً لفضائل الإنسان وسوءاته على حدٍ سواء. ولهذا، فإن كل من حاول قراءة السودان بعين السياسة عاد منه صفر اليدين. وكل من قرأه بعين التاريخ أمسك بالقشرة وغابت عنه الثمرة. أما روحه، فلا تُرى إلا إذا انطفأت ضوضاء العالم، وسكتت خرائط القوة، ووقف الإنسان عارياً بين يدي أسئلة الوجود الكبرى: ماذا يفيد الإنسان منا، لو ربح العالم وخسر نفسه؟ وماذا يفيد الإنسان لو ربح دنياه وخسر آخرته؟ ثم ماذا يفيد الإنسان لو ربح الناس طُرّاً وخسر ربه؟ هنا فقط يبدأ السودان الجواب. ولهذا لم تتقدم بلاده في مدارج وجودها بالرخاء، وإنما بالمحن. إذ كل جرحٍ فيها كان باباً، وكل فقدٍ بها كان غنىً من نوع آخر خاص. وكل كارثةٍ كانت يداً خفيةً تعيد تشكيل روحها على هيئةٍ أكثر صفاءً ونقاءً وعذوبة. وكأن البلاء في هذا البلد ليس لعنةً. على أية حال، فإننا إزاء امتحانٍ قديم ظل يتكرر كلما اقترب السودان من صورته التي صنعتها المقادير. ولذا كلما أوشك هذا الوطن على الخروج من قمقم التاريخ تكاثفت حوله سحب الظلام. وكلما همَّ أن ينهض تكالبت عليه الأمم. وكأن ثمة قانوناً خفياً يقول: إن الأرواح الكبيرة لا تبلغ مقامها إلا بعد أن تمر في أتون النار لتنضج. فالسودان بلد لا يمشي إلى مستقبله على بساطٍ من الورد، بل ظل يمشي فوق الجمر، وكانت كل خطوةٍ يخطوها تترك وراءها جمرةً أخرى، حتى حسب الغافلون أن الرماد هو نهايته. وما علموا أن الرماد، في سنن الكون، ليس إلا قناع النار حين يدركها المخاض. بالتالي، فإن من ينظر إلى السودان بعين الخوف والإشفاق لن يرى منه إلا صور الدمار. أما الذي ينظر إليه بعين البصيرة فسيرى وراء الخراب فرصةً لبناء ما هو أبقى وأقوى من كل هذه الأطلال. فكم من مدينةٍ تهدمت فخرج من تحت أنقاضها معنىً جديد لهذا الوطن! وكم من بيتٍ احترق فإذا المحبة التي كانت تسكنه قد خرجت لتسكن قلوب الناس من حوله! وكم من إنسانٍ ظن أنه فقد كل شيء فإذا به يكتشف أن الأشياء هي التي كانت تملكه، فلما زالت بقي هو بذاته لذاته وجهاً لوجه. ومن هنا يبدأ سر السودان الكبير. إنه البلد الذي لا يزداد فقراً إلا ازداد غنىً بأثمن مما يُباع ويُشترى. ولا يزداد كسراً إلا ازداد اكتمالاً في موضعٍ لا تبلغه المطارق. ولا يزداد ظلمةً إلا وتسلل النور من بين جنبيه، كما تشق خيوط الفجر حلكة الليل. ولذلك لم يكن السؤال يوماً: كيف يعيش السوداني؟ بل كان دائماً: ما الذي يجعل روحه، كلما أطبق عليها الموت، تفتح نافذةً أخرى على الحياة؟ من أين تأتيه هذه السكينة وهو يمشي وسط الجحيم؟ أي سرٍّ هذا الذي يجعل الطفل السوداني يولد بين الأنقاض فيضحك؟ ويجعل الأم، وهي تودع طفلها، ترفع يديها إلى السماء كأنها تبعث وديعةً تردها للديان؟ ويجعل الشيخ، وقد رأى ضياع حصاد عمره كله، يبتسم هازئاً وكأن شيئاً لم يكن؟ عموماً، ليس ما نراه في السودان شجاعةً.. فالشجاعة فعل ساعة. وليس صبراً.. فالصبر قد ينفد. إنه مقامٌ آخر.. مقامٌ لا يعرفه إلا الذين صار الرجاء عندهم طبيعةً، وصارت الثقة بالله لديهم غريزةً، وصار اليقين خبزاً يومياً يتقوتون به كما يتقوت غيرهم بالطعام والماء. هكذا تحولت كل محطة في تاريخ هذه البلاد إلى مقام: فقد صعد رماة الحدق فيها إلى مقام منعةٍ وصمود. حتى قال شاعرهم: «لم ترَ عيني مثل يوم دنقلة الخيل بالكماة مثقلة وترى أعين الجميع مهملة». ومثل قائدها الفذ تهارقا، مقام نخوةٍ ونجدة على أبواب أورشليم يوم استغاثه حزقيا ملك يهوذا. وجسدت كرري في تاريخها مقام بسالةٍ وشجاعة نادرة اعترف بها حتى أعداؤها أنفسهم، حين قال تشرشل: «لقد قتلناهم لكننا لم نهزمهم». ثم قبل أن يصبح اعتصام القيادة العامة مقام عزةٍ وعزمٍ وشموخ، ومسرح شهادة كبرى في صباح عيد. ولذا فإن حربها الراهنة لا تعدو أن تكون مقام تخلية يسبق تجليها الأكبر القريب. ومن هنا لم يبدأ هذا السفر من كرري، ولا من دنقلة، ولا من ديسمبر، ولا من الحرب. بل من تلك اللحظة الأولى التي عقدت فيها هذه الأرض ميثاقها مع الجسارة. فالسودان بلد كلما أرخى التاريخ عليه كفنه، نهض من داخله، ونفض عن كتفيه غبار القرون، ومضى في طريقه كأنه لم يكن قبل لحظة على حافة الفناء. ذلك هو عقد الجسارة. الميثاق الذي لا نقرأ بنوده في الوثائق، لكن في وجوه الأمهات، وفي عيون الشهداء، وفي صمت النيل، وفي صبر الأشجار، وفي تلك الابتسامة الغامضة التي لا تفارق السوداني، حتى وهو يعبر أكثر أودية العالم ظلمة. ولأن لكل ميثاقٍ شهوده، فإن التاريخ كله، منذ رماة الحدق حتى هذه اللحظة، ليس إلا شهادةً متجددة على أن الأرواح التي كتبت عهدها مع الحرية لا تنقض عهودها. أما كيف تجلت هذه الصور في رماة الحدق، وفي تهارقا، وفي كرري، وفي مواكب ديسمبر، وفي هذا الامتحان العظيم الذي تعيشه البلاد اليوم، فذلك سفر آخر في ديوان التاريخ لما يأتِ وقته بعد.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات