يقف العالم الذي أنهكته الحروب، وأضناه حمل أثقال أوزارها، هائما علي وجهه كأنما قد سقطت من بين يديه خرائط القوة، وانطفأ بعينيه البريق.
فسردية العام 1945، التي خرجت من رماد الحرب العالمية الثانية، كإلهٍ شرعته ومعياره الوحيد القوة، تبدو اليوم كقصرٍ زجاجيٍّ تشققت جدرانه من الداخل، بعدما عجز عن احتواء هذا الطوفان الهائل من السيولة والمعرفة والقلق البشري.
لقد شاخت الإمبراطوريات فجأة.
وباتت القوى العظمى تتخبط في العالم كخيلٍ مذعورةٍ أشتعل بأذيالها حريق، تدهس بأقدامها القوانين التي سنّتها، والمواثيق التي رفعتها ذات يومٍ كأيقونات خلاص.
كل شيءٍ يتفكك الآن:
القانون، والحدود، والأفكار، وحتى صورة الإنسان عن نفسه ذاتها.
كأن الأرض بلغت أقصي احتمالات رفاهها المادي، ولم يعد فيها متسعٌ لمزيدٍ.
فجاع العالم بالتالي إلى الروح.
من قلب هذا الانهيار الهائل، يُساق السودان إلى نارٍ كثيفةٍ كأنها آخر الامتحانات المؤهلة لدخوله شبكة الغيب.
لا بوصفه بلداً منكوباً فقط، لكن بوصفه “قرباناً” يُرفع على مذبح الزمن كي تعبر الإنسانية عليه من طورٍ إلى طور.
فما يجري هنا ليس حرباً بين جنرالين، ولا نزاعاً على سلطةٍ عابرة، إنه عملية “تجمير كبرى” لروحٍ معتقة قديمة، ظلت تحمل في أعماقها سراً أكبر من الخرائط.
فالسودان الذي يُؤخذ اليوم إلى خلوته العظمى.
سيُجرد من ماضيه القريب، ومن أوهام هوياته الصغري، ومن أطماع عسكره البلهاء، ومن خذلان ساسته الأقزام، ومن غبش تاريخه كله، حتى لا يبقى منه سوي جوهره العاري التليد.
لمح محمود محمد طه الي هذه اللحظة البعيدة بعين البصيرة، حين تحدث عن “الخراب الكامل” لا بوصفه لعنة، لكن بوصفه تطهيراً من مظاهر “الهوس الديني والعرقي” الذي حوّل المواطنة الي فرية، والإيمان إلى قناع.
كأن محمود كان يرى البلاد وهي تُهدم حجراً حجراً، كي يُعاد بناؤها من داخلها هذه المرة، بمداميك من الوعي، لا بأرجل رخوة من طين.
قائلا: “البلد ستكون خاويةً على عروشها حتى تقنعوا من خيرٍ فيها.. ثم بعد ذلك تعمر.”
فما أشبه السودان اليوم بأرضٍ اخترقت النيران عظمها، رغم أنها لا تزال تخبئ بين رمادها بذرةً قدسية لا تموت.
إذاً فإن هذا الوجع السوداني ليس موتاً، بل هو مخاضٌ طويل.
إن البلاد التي تتألم بهذا العمق، لا بد أنها تتهيأ لولادةٍ استثنائية.
فالأمم، مثلها مثل الأنبياء، لا تعبر إلى نورها إلا بعد أن تلامس أثرا بعيدا كهذا، قابعا في قاع سحيق.
علي أية حال، لقد انكشف المستور كله الآن، تشققت الوجوه، وسقطت الأقنعة.
ورأينا كيف يمكن للمال والطمع والجوع أن يأكل الأخلاق، وكيف يمكن للخيانة والخيلاء أن تحوّل المدن إلى غابات.
بيد أن النار في المقامات العليا لا تأتي دائماً للعقاب؛ فهي تأتي أحياناً لتكشف الذهب المختبئ تحت الصدأ.
لهذا يبدو سودان الحاضر كقطعة معدنٍ نادرةٍ تُركت طويلاً في مجامر الأسرار، كي يكتمل احتراقها، لتخرج في النهاية أكثر بريقاً ولمعاناً.
فقد صرخ بها محمد المكي إبراهيم من قلب هذا المصير، كأنه ينطق باسم البلاد كلها قائلا:
“سأخرجُ من ضلوعِ الصخرِ..
من نيرانِ هذي الغابةِ المحروقةِ..
أخرجُ من رمادِ الموتِ.. كي أحيا..”
عموما، فأيُّ بلادٍ هذه التي تكتب سيرتها بالنار؟
وأيُّ شعبٍ هذا، الذي كلما عبر به الموت، عاد هو أكثر تعلقاً بالحياة؟
المهم فإن السودان لا يحتاج اليوم إلى مديحٍ أجوف، ولا إلى بكائياتٍ تُمجِّد شهامة رجاله السابقين، كأنها أثرٌ متحفي.
إنه يحتاج اليوم إلى استرداد روحه الأولى فقط؛ تلك الروح المتسامية التي كانت ترى الإنسان قبل صورته، ولونه، ولسانه، واصله، وفصله.
تلك الروح التي أجبرت الفيلسوف السويدي توري نوردنستام، لأن ينحني أمام جلال هذه “الأخلاق السودانية”، حيث رأى فيها نظاماً إنسانياً نادراً، يمزج بين أولية النهر سليل الفراديس، وصفاء التصوف ونقائه، بين بساطة الرعاة وعمق حكمة القدماء.
كأن السودان، في مكانٍ ما من روحه، ظل محتفظاً ببقايا فطرته الأولى تلك، التي أضاع مثلها العالم الحديث وسط غاباته الإسمنتية، وعصر سرعته الجنونية، وضجيج آلاته المزعج.
فيما حال أهل السودان ظل ك”رعاةٌ في الفلاةِ.. يطوفُ حولهمُ الذكرُ..
كأنهمُ الأنبياءُ.. أو كأنهمُ المطرُ..”
كما قال محمد المهدي المجذوب.
إذ في هذا السر الدفين تكمن فرادة السودان؛ باعتبار أنه بلدٌ لم ينقطع تماماً عن طفولة الروح.
ولهذا أيضاً، فإن خروجه من هذا التيه الطويل لن يكون حدثاً عادياً، بل عودةً كبرى لوطن خرجت منه البشرية أول مرة، كما يقول علماء الجينوم، ليذكّر العالم بأن الإنسان لم يولد من هذا الفولاذ، لكن من الطين والنفخة والدهشة.
وقد أدرك الفرنسي إرنست رينان شيئاً من هذا السر، حين قال إن الأمة “إرادةٌ للعيش معاً”.
لكن السودان لم يتعلم هذه الإرادة إلا عبر الجرح؛ فكل ثورةٍ كانت درساً، وكل مجاعةٍ كانت مرآة، وكل حربٍ منذ العام (55) كانت أجراسا توقظه من سباته حينا بعد حين.
ربما لهذا يبدو السودان اليوم، رغم عرج شاته، وفقره، وتعبه، أقربَ إلى نبوءةٍ منه إلى دولة.
كأن القدر يخبئ له دوراً لا يشبه الأدوار المعتادة للأمم.
فالقرابين التي ارتقت من هذه الأرض طوال سنوات حرائقه المتكررة، لا بد أن تفتح له باباً الي السماء.
والبشارة التي تأخرت، لعلها الآن تتهيأ للنزول.
فمتى هطل مزن الوعي على ثري هذه الأرض المتعبة، اهتزت وربت، وأنبتت من كل زوجٍ بهيج.
وساعتها، لن يخرج السودان من الحرب فقط، بل سيخرج من تاريخه القديم كله؛ خفيفاً كروحٍ غُسلت بالنار، صافياً كنيله حين عاد لتوّه من الجنة، ومضيئاً كنجمٍ ظلَّ دهوراً يتكوّن تحت الظلال، حتى آن له أن يبزق بنوره ليُرى، ولو بعد حين.
الجميل الفاضل يكتب: السودان: البشارة، والقربان، و”الخروج”؟!
مقالات ذات صلة

