المادة (51 ) الاعدام في مواجهة الكلمة .

0
28
المادة (51 ) الاعدام في مواجهة الكلمة . بقلم : عادل عبدالله نصرالدين - المحامي
المادة (51 ) الاعدام في مواجهة الكلمة . بقلم : عادل عبدالله نصرالدين - المحامي

المادة (51 ) الاعدام في مواجهة الكلمة .

بقلم : عادل عبدالله نصرالدين – المحامي

المقدمة :

لماذا المادة (51) تحديدا ؟
إن إقحام تجريم النشر في المادة (51) من القانون الجنائي (إثارة الحرب ضد الدولة) قد تم بما يشبه السمكرة في ليلة وقفة العيد، وهو إجراء يفتقر لأبسط قواعد التشريع والصياغة.

فاختيار المادة (51) تحديدا لم يكن اعتباطا، بل لثلاثة أسباب:
أولا : لأنها المادة الوحيدة التي عقوبتها الإعدام وجوبا دون سلطة تقديرية للقاضي. ثانيا : لأنها مادة إرهابية بطبيعتها تنقل الصحفي من قاضيه الطبيعي (محكمة الصحافة والمعلوماتية المنشأة بالمادة 6 معلوماتية) إلى محكمة الإرهاب، وتمنع عنه ضمانات قانون الصحافة (المادة 25/ج – إخطار الاتحاد كتابة، والمادة 5/4 – حظر الحبس في قضايا النشر) .
ثالثا : لأنها ترفع الركن المادي من فعل التعبير ك (مقال) إلى فعل حربي .

فمن حيث الركن المادي، أفعال المادة (51) عسكرية بطبيعتها حيث نصت عليها المادة ذاتها في الفقرة (أ) : “جمع الأفراد أو تدريبهم أو جمع السلاح أو العتاد أو الشروع في أي من ذلك بقصد إثارة الحرب” – وهي لا تنسجم مع فعل النشر الذي هو تعبير معنوي.

وبقراءة قوانين النشر الخاصة، يتضح التنافر: فقانون الصحافة كقانون خاص نظم النشر فعلا مدنيا بعقوبات متدرجة، بينما أقحمه التعديل قسرا في القانون العام كفعل حربي عقوبته الإعدام، وهو ما يكشف أن النظام، بعد أن ضاق ذرعا بكشف الإعلام للانتهاكات وملفات الفساد وبلورته لرأي عام ضاغط لوقف الحرب، لم يعد يحمي الدولة من الحرب، بل يحمي السلطة من الرأي العام، وهو المدخل لبحث مدى شرعية هذه الإضافة من الأساس.

اولا : انعدام المرسوم رقم 7 لسنة 2026 لمخالفته مبدأ توازي الأشكال

إن الإضافة اللاحقة لفعل “النشر” إلى المادة (51) لا تعد تعديلا تشريعيا، بل تعد عملا ماديا منعدما.

1. ماهية المبدأ: يقصد بتوازي الأشكال أن “السلطة التي تملك الإنشاء هي وحدها التي تملك التعديل والإلغاء، وبذات الإجراءات التي اتبعت في الإنشاء، أو بإجراءات أقوى منها”. فالقانون الصادر من برلمان لا يعدله إلا برلمان.

2. تبناه المشرع السوداني صراحة في المادة (4) من قانون تفسير القوانين 1974: “يكون تعديل التشريع أو إلغاؤه بنفس الطريقة التي صدر بها أو بطريقة أقوى منها”.

3. التطبيق: القانون الجنائي 1991 قانون برلماني. بينما المرسوم رقم 7 لسنة 2026 صدر من رئيس مجلس السيادة منفردا في 19 أكتوبر 2026، دون اجتماع مشترك لمجلسي السيادة والوزراء المنصوص عليه في المادة (25) من الوثيقة الدستورية. أي أن الأضعف شكلا عدل الأقوى، وهو انعدام للتوازي.

4. مدى الإلزامية والأثر :
المبدأ قاعدة آمرة من النظام العام. أرسته المحكمة الدستورية في الطعن الدستوري 15 لسنة 2009، المبدأ 42: “يقتضي مبدأ المشروعية وتوازي الأشكال ألا يتم تعديل قانون صادر من السلطة التشريعية إلا بتشريع صادر من ذات السلطة… وإلا كان التعديل منعدما”. وأكدته في الطعن 12 لسنة 2006: “سلطة الأمر الواقع لا شرعية لها في إنشاء قواعد عقابية تمس الحقوق الأساسية”.

والأثر هو الانعدام لا البطلان، وقد قضت المحكمة العليا في الطعن الإداري 88 لسنة 2012: “إذا صدر القرار من غير ذي صفة معتديا على اختصاص السلطة التشريعية، فإنه يكون منعدما ولا يتحصن بمضي المدة”. والانعدام لا يصحح بالإجازة اللاحقة. وما نشر في ملحق 19 أكتوبر يظل حبرا على ورق.

ثانيا : عدم دستورية الإضافة لمخالفة الوثيقة والعهد الدولي

أ. دستوريا :
تخالف الإضافة المادة (56) من الوثيقة الدستورية 2019 تعديل 2025: “لكل مواطن حق غير مقيد في حرية التعبير…”، فالتقييد لا يكون بقانون عقوبته الإعدام لأنه يفرغ الحق من مضمونه. كما تخالف المادة (2/3) التي جعلت العهد الدولي جزءا لا يتجزأ من الوثيقة.

ب. دوليا :
تخالف المادة (19/3) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المصادق عليه 1986، التي وضعت اختبارا ثلاثيا للتقييد: أن يكون محددا بنص، وضروريا، ومتناسبا. والإضافة غير محددة (عبارة “النشر” فضفاضة)، وغير ضرورية (يوجد قانون خاص)، وغير متناسبة (الإعدام مقابل مقال)، وهو ما أكدته لجنة حقوق الإنسان في تعليقها العام رقم 34، فقرة 34.

ثالثا : مخالفة قاعدة “الخاص يقيد العام”

1. التعريف : القانون العام هو ما تكون الدولة طرفا فيه بسلطانها، قواعده آمرة، كالقانون الجنائي. والقانون الخاص هو ما ينظم مهنة محددة أو علاقات متساوية، كقانون الصحافة والمطبوعات 2009 (المادة 4/1 اختصاص الصحافة بالنشر، والمادة 25/ج حظر القبض دون إخطار الاتحاد، والمادة 5/4 حظر الحبس) وقانون جرائم المعلوماتية 2007 (المادة 6 إنشاء محكمة متخصصة، والمادة 24 عقوبة إشانة السمعة سنتين، والمادة 26 عقوبة الأخبار الكاذبة ثلاث سنوات).

2. الإلزامية: تحكمها المادة (3/2) من قانون تفسير القوانين 1974: “إذا تعارض قانون عام مع قانون خاص، يقدم الخاص على العام ولو كان العام لاحقا”. وأرستها المحكمة العليا في سابقة حكومة السودان ضد مجلة الأضواء، مجلة الأحكام القضائية 1998 ص 42 : “قانون الصحافة قانون خاص واجب التطبيق في جرائم النشر، ولا يجوز اللجوء إلى القانون الجنائي العام إلا فيما لم يرد به نص في القانون الخاص”. وأكدتها المحكمة الدستورية المصرية في القضية رقم 6 لسنة 15 قضائية دستورية 1993: “الخاص يقيد العام إلزاما وليس اختيارا”.

3. حكم المخالفة: تقديم العام على الخاص يرتب بطلانين: بطلان موضوعي لمخالفة مبدأ التناسب، وبطلان إجرائي لانعدام الاختصاص النوعي عملا بالمادة (38/أ) إجراءات جنائية 1991: “كل إجراء جنائي يتم أمام جهة غير مختصة نوعيا يقع باطلا”. وعليه فكل بلاغ فتح ضد صحفي بالمادة (51) تأسيسا على فعل النشر هو بلاغ باطل بطلانا مطلقا.

رابعا : ما هو المطلوب من الصحفيين .

. بما ان النظام يسعي جاهدا لتكميم الافواه فتحدي ذلك يكون بعدم الخضوع للرقابة الذاتية، فالقانون يريد الصمت والاستمرار في النشر هو إسقاطه
. التضامن المهني بأن أي بلاغ بالمادة (51) هو بلاغ ضد المهنة كلها .
. توثيق الانتهاكات ومخاطبة المقرر الخاص لحرية التعبير بالأمم المتحدة بشكل جماعي.

الخاتمة :

من يحصن الفساد بالإعدام، لا يحمي الدولة من الحرب، بل يقدم شهادة وفاة لشرعيتها. وما نشر في ملحق 19 أكتوبر ليس تشريعا، فالجريدة الرسمية تنشر التشريع ولا تصنعه.

قائمة المصادر والمراجع

أولا: النصوص التشريعية الوطنية

1. القانون الجنائي السوداني لسنة 1991، المادة (51).
2. قانون الصحافة والمطبوعات لسنة 2009، المواد (4/1)، (5/4)، (25/ج).
3. قانون جرائم المعلوماتية لسنة 2007، المواد (6)، (24)، (26).
4. قانون الإجراءات الجنائية لسنة 1991، المادة (38/أ).
5. قانون تفسير القوانين والتشريعات العامة لسنة 1974، المادتان (3/2) و (4).
6. قانون المعاملات المدنية لسنة 1984، المادة (3).
7. الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية لسنة 2019 تعديل 2025، المواد (2/3)، (24)، (25)، (56/2).
8. المرسوم رقم 7 لسنة 2026، الصادر بتعديل القانون الجنائي، ملحق الجريدة الرسمية 19 أكتوبر 2026.

ثانيا: المواثيق الدولية .

9. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، 1966، المادة (19/3) – صادق عليه السودان في 18 مارس 1986.
10. لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، التعليق العام رقم 34 بشأن المادة 19: حرية الرأي والتعبير، الفقرة 34، CCPR/C/GC/34 (12 سبتمبر 2011).
11. نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، المادة (7) – الاضطهاد كجريمة ضد الإنسانية.

ثالثا: السوابق القضائية

12. المحكمة العليا السودانية، حكومة السودان ضد مجلة الأضواء، مجلة الأحكام القضائية السودانية، 1998، ص 42.
13. المحكمة الدستورية السودانية، الطعن الدستوري رقم 12 لسنة 2006، المبادئ الدستورية.
14. المحكمة الدستورية السودانية، الطعن الدستوري رقم 15 لسنة 2009، المبدأ 42 من المبادئ الدستورية – مبدأ توازي الأشكال.
15. المحكمة العليا السودانية – دائرة الطعون الإدارية، الطعن الإداري رقم 88 لسنة 2012 .
16. المحكمة الدستورية العليا المصرية، القضية رقم 6 لسنة 15 قضائية دستورية ، جلسة 6 فبراير 1993 – قاعدة الخاص يقيد العام.

رابعا: المراجع الفقهية .
17. د. الطيب هارون، شرح القانون الجنائي السوداني , القسم العام.
18. د. زكي شناق، الوجيز في شرح قانون الصحافة السوداني .