المشتهي الحنيطير يطير

0
8
المشتهي الحنيطير يطير
المشتهي الحنيطير يطير
المشتهي الحنيطير يطير
لم يعد خراب الحرب اللعينة ودمارها محصور ا في ميادين القتال، بل امتد إلى
الأسواق والمخابز والصيدليات ومحطات الوقود، وأصبحت أسعار الغذاء والوقود
والدواء والنقل والاتصالات والمياه والكهرباء جبهات أخرى مفتوحة في وجه
المواطن، الذي بات يخوض معركة يومية من أجل البقاء . والمأساة أن المواطن لا
يواجه الغلاء وحده، بل صار يواجهه في ظل تآكل الدخول، وتعطل مصادر الرزق،
واتساع رقعة الفقر، وانهيار الخدمات، وانهيار العملة وشلل الاسواق وتوقف الانتاج
وتعطل المصانع وتقلص المساحات الزراعية، بينما تتزايد أعباء الحياة وتتقلص
قدرات الناس وصبرهم على الاحتمال. فحين يصبح الغذاء عبئا ، والدواء رفاهية،
والمواصلات استنزافا ، والحصول على المياه والكهرباء معركة يومية، فإننا لا
نتحدث عن ارتفاع عابر في الأسعار، بل عن أزمة معيشية تضرب كرامة الإنسان
وحقه في الحياة . والأخطر أن الغلاء في ظل الحرب لا يوزع معاناته بالتساوي،
فالأكثر فقرا هم أول واكثر من يدفع الثمن، والنازحون والمرضى والأطفال وكبار
السن هم الأكثر عرضة للسقوط تحت وطأة الحرمان . فأي انتصار والحال هذا يمكن
الحديث عنه وأي سلطة هذه يمكن ان تكون محل طمع الطامعين، والمواطن يخسر
كل يوم معركة الحصول على لقمة العيش..
المفارقة هنا أن البرهان مع كل هذا الحال المزري يتشبث بالسلطة، كأنما لم يحدث
في السودان كل هذا الدمار والخراب، وكأنما لم يُشرّد شعبه وتُدمّر مدنه وتُنهب
ثرواته بسبب حرب لا يبدو أن لها نهاية في الأفق ويصرّ على استمرار الحرب،
والادهى وأمر انه يجد الجرأة لمهاجمة القوى المدنية وتهديدها بأنها لن تعود إلى
السلطة، مثل قوله الاخير في وادي حلفا )لا حمدوك ولا القحاتة تاني ما بحكمونا(،
وكأن معركة السودان الكبرى في طموح البرهان هي مَن يحكم، لا كيف ينجو
الوطن من الانهيار . والحقيقة أن القوى المدنية لم تكن مشغولة طوال هذه الحرب
بكراسي السلطة بقدر انشغالها بوقف الحرب وإنقاذ ما تبقّى من البلاد . فالفرق بين
البرهان والقوى المدنية أن البرهان يخشى فقدان السلطة، بينما يخشى السواد
الاعظم من السودانيين فقدان وطنهم . ومن المؤسف أن يبدو كرسي الحكم عند
البرهان أحقَّ بالحماية من وطنٍ يتداعى، وشعبٍ يدفع كل يوم ثمن حربٍ لم يخترها
ووجد نفسه بغتة في اتونها، بينما حمدوك والقوى المدنية التي يخشاها البرهان
ويعمد دوما الي توعدها بعدم العودة الى الحكم، لم نشهد لها بشهادة الاراشيف
والتسجيلات والمقابلات انها تحدثت يوما عن سلطة ترجوها أو ثروة تكسبها، بل
كل احاديثها ومطالبها ظلت وما انفكت تتمحور حول وقف الحرب، ولتحقيق هذا
الهدف الوطني النبيل تفرغ كل وسعها وجهدها لانقاذ ما تبقى من البلاد من الدمار
والخراب، كما كان مبلغ همها دائما هو استعادة المسار المدني الديمقراطي، وبناء
جيش وطني واحد ومهني، وانهاء التشكيلات المليشية المتعددة القائمة، وتحقيق
العدالة والمساءلة عن الجرائم والانتهاكات التي ولغ فيها أيا من كان، وبكلمة واحدة
وجامعة فان هذه القوى المدنية انما تسعى وتجتهد لانقاذ ما تبقى من الوطن، بينما
يبدو البرهان مشغولا بالبقاء على سدة سلطة ما تبقى من خرائب الوطن، وهنا تكمن
المفارقة التي يعبر عنها المثل الشعبي الذائع )المشتهي الحنيطير يطير( ونظيره
الآخر)المشتهي لوبا عفن يندفن(، فمن ذا الذي يسعى للتمسك بالسلطة في بلد يتداعى
وتحوطه الازمات من كل جانب ورغم ذلك يعاند ويكابر ويرفض كل الحلول
الساعية لانقاذ البلاد غير البرهان..