تحليل سياسي :البرهان .. أزمة التأشيرة أم عار الغياب ؟!!

0
2
تحليل سياسي :البرهان .. أزمة التأشيرة أم عار الغياب ؟!!
تحليل سياسي :البرهان .. أزمة التأشيرة أم عار الغياب ؟!!

بقلم : محمد لطيف

غدًا الاثنين 28 سبتمبر 2026 يوم حاسم في التاريخ الدبلوماسي السوداني .. فإذا إنتهت المناقشة العامة للجمعية العامة للأمم المتحدة ورفعت الأقلام، من دون كلمة سودانية، يصبح لدينا لأول مرة، واقعة موثقة بأن السودان كان لديه وفد في نيويورك، يرأسه وزير الخارجية ومع ذلك لم تُلقَ كلمته في المناقشة العامة. وستكون هي السابقة  الأولى منذ انضمام السودان للأمم المتحدة في 1956..!

هذا ما فعله البرهان، وتأشيرته بالسودان ..!

كان مقررًا أن يلقي عبد الفتاح البرهان كلمة السودان في 24 سبتمبر، لكن عدم حصوله على التأشيرة الأمريكية حال دون حضوره وإلقائه الخطاب. رويترز .. على سبيل المثال ..أكدت أن البرهان كان مدرجًا لإلقاء الكلمة، ثم أفادت لاحقًا بأن عدم إصدار التأشيرة منعه من المشاركة شخصيًا.

لا بد من الإشارة هنا الى أن السودان لم يغب عن أعمال الجمعية العامة في هذه الدورة .. كدولة فقد شارك ممثل السودان في جلسات أخرى، ومنها اجتماع رفيع المستوى بشأن الحق في التنمية يوم 23 سبتمبر الجاري وألقى ممثل السودان كلمة بالفعل .

ودعونا ننتقل لسؤال مركزي .. هل سبق أن كان السودان مدرجًا رسميًا لإلقاء كلمة في المناقشة العامة، ثم حُرم رئيس وفده من الوصول إلى نيويورك، فأُسقطت كلمة السودان من البرنامج؟

للأسف التاريخ والمعطيات تشير بقوة إلى أن حادثة 2026 استثنائية بكل المقاييس .

ليست هناك  أي دورة من دورات الجمعية العامة، منذ انضمام السودان في 1956 وحتى الدورة الـ80   في 2025، لم يُسجَّل فيها إلقاء كلمة للسودان في المناقشة العامة.

أي أن السجل التاريخي المتاح يشير إلى أن السودان ألقى كلمة في المناقشة العامة في كل الدورات منذ أول مشاركة له بعد انضمامه للأمم المتحدة عام 1956 وحتى 2025. عليه  إذا لم تُلقَ كلمة السودان في الدورة الـ81 عام 2026، فإنها ستكون .. بحسب هذا السجل .. أول حالة من نوعها منذ عضوية السودان في الأمم المتحدة قبل سبعين عامًا .. فرغم كل التقلبات والأنظمة السياسية المختلفة حتى بعد اندلاع الحرب الحالية، ألقى البرهان كلمة السودان في الدورة الـ78 عام  2023.. وفي 2025 ألقى رئيس حكومة البرهان كامل إدريس كلمة السودان في الدورة الـ80 يوم 25 سبتمبر، والسجل الأممي يحدد السودان والمتحدث وصفته .

إذا ثبت أن كلمة السودان لن يعاد إدراجها مرة أخرى فإن المفارقة التاريخية ستكون لافتة .. فأنظر يا هذا الى هذا :-

1956 السودان يدخل الأمم المتحدة

1956-5202 كلمة السودان حاضرة في المناقشة العامة كل عام

2023  البرهان نفسه يخاطب الجمعية العامة

2025   رئيس حكومة الأمر الواقع  يخاطب الجمعية العامة

2026   البرهان مدرج لإلقاء كلمة السودان

البرهان لا يصل إلى نيويورك بسبب أزمة التأشيرة

ثم لا يقدم أي مسئول أخر الكلمة المدرجة .

هذا يجعل المسألة أكبر بكثير من مجرد  ( البرهان لم يحصل على تأشيرة ) فإن صحت هذه التوقعات فنحن أمام أول انقطاع موثق عن غياب السودان بخطاب في المناقشة العامة منذ دخوله الأمم المتحدة .. وهذا ما يدفعنا الى القول بأن مسألة حرمان البرهان من التأشيرة لم يعد مجرد إجراء هجري بين دولتين بل خصم كبير من تاريخ عظيم لدولة عظيمة كان إسمها السودان .. وهذا وحده ما يجسد الأزمة الحقيقية والصفعة الأكبر في وجه البرهان منذ إنقلابه المشئوم في 25 اكتوبر 2021 .. ويؤكد أن البرهان بعد أن لوث الحاضر ودمر المستقبل أبى إلا أن يشوه تاريخ البلاد .!!

يحاول البعض الربط بين حالة البرهان و حالة الرئيس الفلسطيني محمود عباس .. ويفوت على هؤلاء نقطة مهمة جدًا تجعل حالة السودان مختلفة عن حالة محمود عباس، وربما تفسر لماذا لم تُلقَ كلمة السودان تلقائيًا بواسطة عضو آخر من الوفد .. فالقاعدة الأممية ليست أن «كلمة الدولة تسقط» بمجرد غياب الرئيس .. ففي المناقشة العامة، الأولوية عادةً لرئيس الدولة أو رئيس الحكومة أو الوزير المختص، لكن الوفد نفسه يستطيع أن يمثل الدولة. وفي حالة السودان، كان هناك وفد سوداني موجود في نيويورك، وبالتالي كان من الممكن من حيث المبدأ أن يلقي وزير الخارجية أو أي مسؤول رفيع آخر كلمة السودان

.. بل إن تقريرًا سودانيًا نقل عن مسؤول بوزارة الخارجية أن وزير الخارجية كان موجودًا ويرأس الوفد، وأن الترتيب كان أن يحل وزير الخارجية محل رئيس الدولة إذا تعذر حضور البرهان، وأن الكلمة كان متوقعًا أن تعاد جدولتها. . ولكن ما حدث لاحقا هو أن السودان لم يلقِ الكلمة في الموعد المقرر، وتجاوزت الجلسة موضع السودان في جدول المتحدثين؛ إذ انتقلت الجلسة من ليبيريا مباشرة إلى بوليفيا وفق تقرير سوداني، مع عدم وجود تفسير رسمي منشور يربط ذلك مباشرة بأزمة التأشيرة.

وهذا يقود إلى تساؤلات مشروعة :-

لماذا لم يتحدث وزير الخارجية في الموعد المعلن سلفا ؟

ولماذا لم يُعاد إدراج السودان في موعد لاحق؟

حتى الآن لا يوجد تفسير رسمي سوداني أو أممي واضح يجيب على التساؤلات اعلاه ..!

وبالعودة الى موضوع المقارنة فلا توجد قاعدة عامة تمنح أي رئيس تلقائيًا حق إرسال تسجيل فيديو بدل الحضور الشخصي..  ولكن في حالة عباس إتخذت الجمعية العامة قرارًا خاصًا  بفلسطين في الدورة 81. ولذلك لا نستطيع القول إن البرهان كان يستطيع ببساطة إرسال فيديو وأن الأمم المتحدة ملزمة بعرضه.

لكن الغريب في الأمر أنه كان بإمكان السودان أن يطلب آلية مماثلة، أو أن يطلب إعادة جدولة كلمته لوزير الخارجية، أو أن يطلب من الجمعية العامة معالجة الحالة بصورة استثنائية.

واللافت أن السودان، بحسب المعلومات المنشورة، اختار في البداية انتظار معالجة أزمة التأشيرة بدل الانتقال فورًا إلى خيار بديل.

وهنا يطرح احتمالين لتفسير التصرف السوداني .. الاحتمال الأول  كان السودان لا يزال يأمل في حصول البرهان على التأشيرة .. هذا تفسير منطقي  على كل حال .. فحتى الأيام السابقة للجمعية العامة لم يكن الموقف الأمريكي مصاغًا بالضرورة كـرفض نهائي .. صحيح  كانت هناك أزمة بشأن إصدار التأشيرة ولكن الصحيح ايضا أن الأمين العام قال إن الأمم المتحدة أثارت الموضوع مع واشنطن.

لذلك ربما لم ترغب الخرطوم في التصرف كما لو أنها سلمت بأن البرهان لن يحضر..!

وهذا مهم ومفهوم سياسيًا ..فإرسال تسجيل للبرهان أو الدفع  بوزير الخارجية إلى المنصة كان سيعني عمليًا الاعتراف بأن الرئيس مُنع من الوصول إلى الأمم المتحدة .. أما الاحتمال الثاني فهو أن الخرطوم أرادت الحفاظ على المعركة السياسية حول (حق البرهان في الحضور ) وأهمية هذا أن السودان لو قال فورًا .. (حسنًا، سيقرأ وزير الخارجية الكلمة )لأصبحت القضية إجرائية ..لكن إبقاء المشكلة معلقة يعني أن الرسالة تقرأ .. السودان يرفض أن يتحول منع رئيس مجلس السيادة من دخول الولايات المتحدة إلى أمر طبيعي يتم تجاوزه ببساطة.. وما يؤكد هذه الفرضية أنها تتوافق مع الرسالة التي ظهرت لاحقًا في الخطاب السوداني حول السيادة ورفض الضغوط الأمريكية .. ولكن المؤسف أن هذا الخيار له كلفة باهظة وهي أن  السودان قد خسر المنبر نفسه .. وهذا ما لم تضع له السلطة الإنقلابية محدودة النظر إعتبارأ..!

ما نخلص اليه أن برنامج الأيام اللاحقة والتغطية الأممية لا يظهر حتى الآن إعلانًا رسميًا عن موعد جديد للسودان. كما أن صفحة الأمم المتحدة الخاصة بالمناقشة العامة لا تعرض إعلانًا عن إعادة جدولة كلمة السودان .. إذن لا ينبغي صرف الناس عن خسارة السودان التاريخية والآنية بقصة التأشيرة .. !!