لم يكن ناقوس الخطر الذي أطلقه البرلمان الأوروبي، الأسبوع الماضي، حول تسلل جماعة الإخوان المسلمين في المجتمعات الأوروبية، سوى انعكاس لسلسة من التقارير الأمنية والاستخباراتية في دول القارة التي وضعت يدها على مواطن الأزمة ورسمت ملامحها في مجموعة من النقاط.
فمن التقرير الأمني الفرنسي الصادر منذ مايو 2025 إلى مجموعة تقارير أمنية مختلفة من بينها تقرير هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) في ولاية براندنبورج الألمانية يونيو الماضي، جاءت لائحة البرلمان الأوروبي متوجة لهذه الملاحظات، وتحديدًا ما يتعلق بتمويل الإخوان المسلمين من داخل القارة وخارجها ومحاولاتهم للتسلل الناعم في مؤسسات الدول عبر أذرع مختلفة
أساليب خفية
قدم تقرير هيئة حماية الدستور لعام 2025 الصادر عن ولاية براندنبورج، المنشور في يونيو الماضي، مصطلحًا جديدًا للأوربيين هو “الإسلاموية المتسللة إلى الديمقراطية”، حيث تصف الهيئة بهذا المصطلح أسلوب التسلل إلى المؤسسات والمجتمع، وتحدد البنى التي تدرجها ضمن هذا الإطار.
ويقول التقرير إن “الجهات الفاعلة في إطار الإسلاموية المتسللة إلى الديمقراطية تعمل بأساليب خفية، ومن داخل النظام القانوني القائم، مستغلة في ذلك الحريات التي تتيحها الديمقراطية الليبرالية، مثل حرية التجمع والدين وتكوين الجمعيات، لتحقيق أهداف معادية للدستور، بل وتتجنب توجيه انتقادات صريحة للنظام، تفاديًا للإقصاء، وتستخدم الحريات الديمقراطية بصورة استراتيجية”.
وينبه أيضًا إلى أن “الهدف الرئيسي للإسلامويين يتمثل في إرساء نظام اجتماعي معادٍ للديمقراطية تدريجيًا، يستند إلى الشريعة، مع رفض النظام الأساسي الديمقراطي الحر في ألمانيا والسعي إلى تجاوزه على المدى الطويل”.
وهنا يشير تقرير هيئة حماية الدستور إلى أن “الأهداف الحقيقية للإخوان المسلمين، التي غالبًا ما تكون متطرفة تظل مخفية، لأن هذه الجهات تظهر في العلن بمظهر معتدل وتتظاهر بالاستعداد للحوار. أما داخل دوائرها، فإن عناصرها تتسامح أحيانًا مع العنف ضد (الكفار والمرتدين أي المسلمين الذين ينظر إليهم على أنهم لا يلتزمون بالعقيدة الصحيحة بالقدر الكافي)، وكذلك ضد ممثلي الدول الغربية أو الأنظمة المحلية التي تصفها بأنها معادية”.
وتقوم أساليب العمل الإخواني – وفق التقرير – على “التجنيد السري والتلقين الأيديولوجي لأفراد الإخوان المسلمين في أوروبا”، خصوصًا في ظل تسجيل “قائمة منهجية بالمنظمات الألمانية والأوروبية التي تنسب إلى شبكة الإخوان المسلمين مثل منتدى المنظمات الشبابية والطلابية المسلمة الأوروبية (فيميسو)”.
ويضيف: “يستغل الإخوان المسلمون الحاجة إلى وجود جهة واحدة يمكن للجميع التواصل معها، فيرصدون النقاشات والتطورات السياسية والاجتماعية المهمة، ويستطيعون بسرعة إنشاء جمعيات أو منظمات أو هيئات جديدة، أو شغل مواقع داخل هياكل قائمة، لتكون جهات اتصال رسمية أو منصات للتعبير عن المواقف”.
ويؤكد في الوقت نفسه أن “منتدى فيميسو تأسس في بروكسل على يد أشخاص من جماعة الإخوان المسلمين، ويتولون إدارته. وينشط المنتدى على المستوى الأوروبي، ويقدم بوصفه مثالًا على تداخل الشخصيات المحورية مع الجمعيات الدينية، وجماعات الضغط، والهيئات السياسية، والأحزاب، ويعمل بالقرب من مؤسسات الاتحاد الأوروبي، ويهدف إلى تنسيق أنشطة اتحادات الشباب والطلاب في أوروبا، وتعزيز تطور الأجيال المقبلة من الإخوان المسلمين وترابطها بل والتأثير في هيئات الاتحاد الأوروبي، وقد يستفيد من الدعم المالي الكبير الذي تقدمه هذه الهيئات”.
مستويات التسلل
تقرير هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) في ولاية براندنبورج الألمانية، حدد مجموعة من المستويات المختلفة التي يسعى الإخوان المسلمين في المجتمع الألماني إلى التسلل من خلالها، والتي تبدأ بـ “العمل في المجتمع المدني عبر إنشاء الجمعيات، والمساجد والمجتمعات المسجدية الخاصة، والمؤسسات التعليمية، ومراكز الدروس التقوية، والمنظمات الخيرية. وتؤدي هذه الجهات دور نقاط اتصال يستقطب من خلالها مؤيدون جدد، وتعزز الشبكات القائمة”.
أما المستوى الثاني فيتمثل في “الدعوة بهدف نشر الأيديولوجيا الإسلاموية بصورة موجهة، وغالبًا تحت غطاء ممارسة الشعائر الدينية البحتة أو تقديم المساعدات الاجتماعية والخيرية”. ثم “المستوى الثالث وهو التأثير السياسي عبر محاولة التأثير في القرارات السياسية بما يتوافق مع الأيديولوجيا الخاصة، من خلال ممارسة الضغط السياسي، أو التأثير في الأحزاب السياسية، أو شغل مواقع مؤثرة في الهيئات المجتمعية، مثل مجالس الاندماج ومجالس أولياء الأمور”.
ويقول التقرير الاستخباراتي الألماني إن “المستوى الرابع للتسلل يتمثل في تغيير اتجاه الخطاب العام من خلال إدخال المواقف الإسلاموية بصورة نشطة في النقاشات العامة، مثل النقاشات المتعلقة بالنسوية والتربية الجنسية وحرية الدين وما يقدم بوصفه ممارسات دينية للأطفال، بهدف تغيير المعايير والقيم الاجتماعية تدريجيًا”.
وبلغة الأرقام، “يميز جهاز حماية الدستور في براندنبورج بين شكلين من الإسلاموية، استنادًا إلى أساليب العمل والاستعداد لاستخدام العنف: الإسلاموية المتسللة إلى الديمقراطية والإسلاموية ذات التوجه العنيف أي الجهادية”.
وتدرج الهيئة ضمن الفئة الأولى السلفية السياسية، وجماعة الإخوان المسلمين، والجماعة الإسلامية”، مشيرة إلى “ارتفاع إجمالي عدد الأشخاص الذين تقدر السلطات انتماءهم إلى التيار الإسلاموي في الولاية إلى 260 شخصًا عام 2025 لكن اللافت أن الفئة المصنفة تحت مسمى (الإسلاموية المتسللة إلى الديمقراطية) ، تتألف في جوهرها من أنصار جماعة الإخوان المسلمين”.
وتشير بيانات الاستطلاعات التي يستند إليها التقرير إلى تغيرات ملحوظة خلال الفترة من 2021 إلى 2025، إذ “ارتفعت نسبة المسلمين الذين أبدوا انفتاحًا على الأفكار الإسلاموية من 20% إلى 30%. وتراجعت نسبة الفئة التي ترفض بوضوح المواقف ذات التوجه الإسلاموي، رغم استمرارها في تشكيل الأغلبية، من 71% عام 2021 إلى 60% عام 2025”.
