الفاشر – السودانية نيوز
في انتهاك جديد للقانون الدولي الإنساني، قتل مدني وتشرد المئات من النازحين إثر قصف مدفعي استهدف مدرسة علي السنوسي بحي الكفاح بمدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، والتي كانت تستخدم كمركز لإيواء 175 أسرة فرت من القتال.
ووثقت منظمة مناصرة ضحايا دارفور في تقرير صدر اليوم مقتل المواطن إسماعيل آدم عبد الرحمن، 25 سبتمبر 2024، بعد إصابته المباشرة داخل مركز الإيواء، في هجوم نسبته شهود إلى قوات الدعم السريع. وأجبر القصف الأسر النازحة على الفرار مرة أخرى، لتبدأ رحلة نزوح جديدة انتهت بأسرة الضحية في محلية قولو بولاية وسط دارفور.
وقالت المنظمة إن استهداف مركز إيواء مدني “يؤكد أن النزوح لم يعد ملاذاً آمناً”، ودعت إلى تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين، وتوفير حماية عاجلة للنازحين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
الوقائع
أفادت الشاهدة، التي احتفظت المنظمة بهويتها واكتفت بالإشارة إليها بالأحرف الأولى (أ.د.م) حفاظاً على سلامتها، بأنها تبلغ من العمر (38) عاماً، وهي ربة منزل، متزوجة وأم لسبعة أطفال، وكانت تقيم مع أسرتها في حي خور سيال بمدينة الفاشر.
ومع تصاعد العمليات العسكرية والقصف المتكرر داخل المدينة، اضطرت الأسرة إلى مغادرة منزلها بتاريخ 30 يونيو 2024 واللجوء إلى مدرسة علي السنوسي بحي الكفاح، والتي كانت قد تحولت إلى مركز لإيواء النازحين، حيث كانت تؤوي ما يقارب 175 أسرة فرت من الأحياء المتضررة جراء القتال.
وبحسب إفادتها، ظل النازحون يقيمون داخل المدرسة في ظروف إنسانية صعبة، معتمدين على جهود المتطوعين والمبادرات المحلية، في ظل استمرار العمليات العسكرية حول المدينة.
وفي حوالي الساعة الرابعة من عصر يوم الأربعاء الموافق 25 سبتمبر 2024، تعرضت المدرسة لقصف مدفعي. وذكرت الشاهدة أن أربع قذائف سقطت داخل محيط المدرسة؛ إحداها في الجهة الشرقية، وأخرى في وسط المدرسة، وثالثة في الجهة الغربية، بينما انفجرت القذيفة الرابعة داخل محيط مركز الإيواء، ما أدى إلى حالة من الهلع بين النازحين.
وخلال الهجوم أصيب زوجها، إسماعيل آدم عبد الرحمن، إصابة مباشرة وخطيرة في منطقة الظهر. ورغم محاولات إسعافه، فقد فارق الحياة متأثراً بإصابته. وأفادت الشاهدة بأن متطوعين هرعوا إلى المكان عقب القصف، وتمكنوا من إجلاء الأسر النازحة من المدرسة، فيما جرى دفن زوجها بمدينة الفاشر.
وبعد هذه الحادثة، اضطرت الأسرة إلى النزوح مرة أخرى، إذ غادرت مدينة الفاشر خلال أكتوبر 2024 إلى منطقة شنقل طوباي، قبل أن تواصل نزوحها لاحقاً إلى محلية قولو بولاية وسط دارفور، في رحلة نزوح متكررة فرضتها الأعمال العسكرية واستمرار انعدام الأمن.
وقد ترتب على مقتل الزوج أن أصبحت الشاهدة المعيل الوحيد لسبعة أطفال، في ظل ظروف إنسانية واقتصادية بالغة الصعوبة، بعد أن فقدت الأسرة منزلها واستقرارها ومعيلها في وقت واحد.
التقييم القانوني
تشير الوقائع الواردة في هذا التقرير إلى احتمال وقوع انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني. فمدرسة علي السنوسي كانت، وفق المعلومات التي جمعتها المنظمة، تستخدم حصرياً كمركز لإيواء المدنيين والنازحين، ولم ترد أي معلومات تشير إلى استخدامها لأغراض عسكرية أو وجود أهداف عسكرية داخلها أو في محيطها المباشر.
ويحظر القانون الدولي الإنساني، ولا سيما المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الثاني لعام 1977، توجيه الهجمات ضد المدنيين أو الأعيان المدنية، كما يفرض على أطراف النزاع التمييز في جميع الأوقات بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية.
كما يحظر تنفيذ الهجمات العشوائية أو غير المتناسبة التي يمكن أن تؤدي إلى خسائر في أرواح المدنيين أو إصابتهم أو إلحاق أضرار بالأعيان المدنية.
وفي حال ثبت أن الهجوم استهدف مركز الإيواء مع العلم بطبيعته المدنية، أو نُفذ دون اتخاذ الاحتياطات الواجبة لحماية المدنيين، فإن ذلك قد يرقى إلى جريمة حرب بموجب المادة (8) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
كما أن التهجير القسري المتكرر الذي تعرضت له الأسرة نتيجة الأعمال العسكرية يعكس استمرار معاناة المدنيين في دارفور، ويؤكد الحاجة إلى اتخاذ تدابير عاجلة لحمايتهم وضمان وصولهم إلى أماكن آمنة بعيداً عن العمليات القتالية.
التوصيات
تدعو منظمة مناصرة ضحايا دارفور جميع أطراف النزاع إلى الالتزام الكامل بقواعد القانون الدولي الإنساني، والامتناع عن استهداف المدنيين ومراكز إيواء النازحين والمنشآت المدنية.
كما تدعو إلى فتح تحقيق مستقل ومحايد في حادثة قصف مدرسة علي السنوسي بمدينة الفاشر، بهدف تحديد المسؤولين عن الهجوم وضمان مساءلتهم وفقاً للمعايير الدولية.
وتحث المنظمة بعثة الأمم المتحدة وآليات تقصي الحقائق الدولية والمفوضية السامية لحقوق الإنسان على توثيق هذه الحادثة ضمن الانتهاكات المرتكبة ضد المدنيين في دارفور، وضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من العقاب.
وتطالب المنظمة كذلك بتوفير حماية فعالة للنازحين داخلياً، وتأمين مراكز الإيواء من الهجمات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، مع تقديم الدعم الإنساني والنفسي والاجتماعي للأسر التي فقدت معيلها نتيجة النزاع، وفي مقدمتها النساء والأطفال.
خاتمة
تجسد هذه القضية الثمن الإنساني الباهظ الذي يدفعه المدنيون في دارفور نتيجة استمرار النزاع المسلح واستهداف المناطق المدنية. فبدلاً من أن تمثل مراكز الإيواء ملاذاً آمناً للأسر الفارة من الحرب، أصبحت هي الأخرى عرضة للهجمات، الأمر الذي يؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا ويفرض موجات جديدة من النزوح.
إن مقتل إسماعيل آدم عبد الرحمن داخل مركز لإيواء النازحين، وترك زوجته وحيدة في رعاية سبعة أطفال بعد رحلة نزوح متكررة، ليس مجرد حادثة فردية، بل يمثل نموذجاً لمعاناة آلاف الأسر في دارفور. وتؤكد منظمة مناصرة ضحايا دارفور أن حماية المدنيين ومساءلة مرتكبي الانتهاكات تمثلان شرطاً أساسياً لتحقيق العدالة، ووضع حد للإفلات من العقاب، وتهيئة البيئة اللازمة لتحقيق سلام دائم ومستدام في السودان.

