يبدو أن الرياض لم تعِ الدرس جيداً
ففي الوقت الذي رحبت فيه المملكة العربية السعودية رسمياً بقرار الولايات المتحدة تصنيف فرع جماعة الإخوان المسلمين في السودان جماعة إرهابية، وفي الوقت الذي يفترض فيه أن يكون الموقف من الإسلام السياسي السوداني أكثر وضوحاً وحسماً، تبرز مؤشرات وتحركات تفتح الباب أمام سؤال لا يمكن القفز فوقه: هل تعود الرياض إلى التعامل مع دوائر وشخصيات ارتبطت بالمشروع الإسلامي الذي حكم السودان لثلاثة عقود؟
المفارقة هنا ليست بسيطة.
فالسعودية أعلنت في مارس الماضي ترحيبها بالتصنيف الأميركي للإخوان المسلمين في السودان، مؤكدة دعمها للجهود الرامية إلى استقرار المنطقة.
لكن في المقابل، ما زال النفوذ الإسلامي داخل المعسكر المساند للجيش السوداني حقيقة سياسية وأمنية تناقشها مراكز بحث وتقارير دولية، بل إن تحليلات حديثة ترى أن فك الارتباط بين قيادة الجيش والشبكات الإسلامية لن يكون أمراً سهلاً، بسبب النفوذ السياسي والعسكري الذي راكمته هذه الشبكات خلال سنوات الحرب.
وهنا تحديداً تكمن المشكلة.
السودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج الإسلاميين في ثوب جديد.
ولا يحتاج إلى منحهم فرصة للعودة من بوابة الحرب، بعدما خرجوا من السلطة السياسية عقب سقوط نظام عمر البشير.
فالرهان على أن الإسلاميين يمكن احتواؤهم أو استخدامهم ثم التخلص منهم لاحقاً ليس جديداً. التجربة السودانية نفسها تقول إن التنظيمات العقائدية لا تدخل تحالفاً سياسياً باعتبارها مجرد أداة مؤقتة؛ بل تدخل وهي تحمل مشروعاً طويل المدى للسيطرة على الدولة ومؤسساتها.
والأخطر أن الحرب الحالية منحت بعض هذه الشبكات فرصة لإعادة بناء نفوذها داخل مؤسسات الدولة والجيش، وهو ما أصبح موضع نقاش دولي متزايد.
لذلك فإن أي انفتاح سعودي غير محسوب على هذه الدوائر قد يتحول من محاولة للتأثير في المشهد السوداني إلى خطأ استراتيجي مكلف.
الرياض تعرف جيداً ماذا يعني تمدد الإسلام السياسي في المنطقة.
وتعرف أيضاً أن الإسلاميين السودانيين ليسوا مجرد تيار سياسي عادي يمكن إدماجه في أي تسوية ثم مطالبتهم بالانصراف.
لقد جُرّبت هذه المعادلة في السودان لعقود.
والنتيجة كانت دولة منهكة، ومؤسسات مدمرة، واقتصاداً منهاراً، ومجتمعاً ممزقاً، وحرباً لا تزال تحصد الأرواح.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تتحدث الرياض مع بورتسودان؟
فالتواصل مع أي طرف سوداني أمر طبيعي في السياسة.
السؤال هو: مع من تتحدث الرياض؟ وبأي شروط؟ وإلى أين تريد أن تقود السودان؟
إذا كان الهدف إنهاء الحرب وبناء دولة سودانية مستقرة، فإن الطريق لا يمكن أن يمر عبر إعادة تمكين أي تنظيم عقائدي احتكر الدولة السودانية لعقود.
وإذا كانت الرياض تريد بالفعل أن تلعب دور الوسيط المؤثر في السودان، فإن عليها أن تكون أكثر وضوحاً في الفصل بين دعم الدولة السودانية وبين دعم القوى التي تريد احتكار الدولة السودانية.
وهذه نقطة جوهرية.
فدعم الجيش السوداني ك مؤسسة وطنية شيء، وتحويل الحرب إلى بوابة لإعادة تمكين الإسلاميين شيء آخر تماماً.
بل إن التقارير الأخيرة تشير إلى أن السعودية نفسها حاولت الضغط باتجاه الحد من قبضة الشبكات الإسلامية على القوات المسلحة، في مؤشر على أن الرياض تدرك خطورة ترك هذا النفوذ يتمدد.
ولهذا تبدو أي عودة إلى الوراء أكثر غرابة.
فالجيش السوداني يستطيع أن يكون جزءاً من الحل، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى منصة لعودة مشروع سياسي سقط مع نظام البشير.
والسعودية، إذا أرادت أن تكون جزءاً من الحل، تستطيع أن تستخدم نفوذها للضغط في اتجاه واحد واضح:
جيش للدولة، لا جيش لتنظيم.
دولة للسودانيين، لا دولة لحزب.
وتسوية تنهي الحرب، لا تسوية تعيد إنتاج أسبابها.
السودان اليوم لا يحتمل تجربة جديدة من تجارب المقايضات السياسية.
ولا يحتمل أن يتحول الصراع العسكري إلى وسيلة لإعادة تدوير مشروع الإسلاميين.
لقد دفع السودانيون ثمناً باهظاً بما يكفي.
والرياض، التي تمتلك نفوذاً سياسياً كبيراً وقدرة على التأثير في مسارات الأزمة، تستطيع أن تكون جزءاً من إنقاذ السودان.
لكن عليها أولاً أن تتذكر درس السودان جيداً:
الإخوان ليسوا حلاً لأزمة السودان.. لقد كانوا جزءاً أساسياً من صناعة أزمتها.
ومن يفتح لهم الباب اليوم، ولو بحسابات تكتيكية مؤقتة، قد يجد نفسه غداً أمام السودان نفسه الذي يحاول الجميع الآن إنقاذه من الانهيار.
يبدو أن الرياض لم تعِ الدرس جيداً.. أو أن بعض من يديرون الملف السوداني لم يقرأوا تاريخ السودان بما يكفي.