الرئيسيةمقالاتصورة البرهان على الشاشات السعودية… حين يتحوّل الإعلام إلى ورشة تجميل سياسي...

صورة البرهان على الشاشات السعودية… حين يتحوّل الإعلام إلى ورشة تجميل سياسي في زمن الخراب

تُنّة رجب

حين تعجز الوقائع عن تحسين صورة سلطة بورتسودان، تتقدم الكاميرا لتؤدي المهمة. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الأداء المتصاعد لبعض القنوات المحسوبة على المملكة العربية السعودية، التي تبدو منشغلة بإعادة تشكيل صورة عبد الفتاح البرهان باعتباره رئيس دولة يدير شؤون الحكم في ظروف اعتيادية، في وقت يعيش فيه السودان إحدى أكثر مراحله دموية واضطراباً.
ما تفعله بعض القنوات المحسوبة على المملكة العربية السعودية ليس مجرد تغطية إعلامية عابرة، فمن الواضح أنه مشروع تجميل سياسي كامل لدكتاتور يقود حرباً تمزّق البلاد. ما نراه في مواقع وقنوات قصر اليمامة إعلامٌ يحاول جاهداً أن يصنع واقعاً بديلاً، واقعاً يريد إقناع المشاهد بأن البرهان ما زال “رئيس دولة” يجلس في مكاتبه المكيّفة، لا قائد حرب يجرّ البلاد إلى الهاوية.
حين يظهر البرهان ببدلة مدنية في صور منتقاة بعناية، فهذه ليست صدفة. هذه محاولة مكشوفة لطمس حقيقة أن الرجل يعيش في قلب حرب، وأن البلاد تتشظّى تحت قيادته.
البدلة المدنية هنا ليست لباساً، بل كذبة سياسية.
هي رسالة تقول: لا حرب هنا، لا انهيار، لا دماء، والرئيس يعمل، ويجتمع، ويخطط، ويبتسم.
لكن الحقيقة أن البلاد تحترق، وأن هذه الصور ليست سوى ستارة دخان تحاول القنوات جرّها أمام أعين المشاهدين.
والتهنئة التي قدّمها البرهان لمملكة إسبانيا بعد فوز منتخبها بكأس العالم ليست بريئة، ولا عفوية، ولا رياضية. هي محاولة سياسية ناعمة لإظهار الرجل كقائد “طبيعي”، يتابع المونديال، ويهتم بكرة القدم، ويشارك العالم أفراحه.
لكن الأكثر إثارة للريبة هو الجهة المهنّأة:
لم يهنئ الشعب الإسباني.
لم يهنئ الحكومة.
لم يهنئ الملك.
لم يهنئ اللاعبين.
هنّأ الرجل “مملكة إسبانيا” ككيان سياسي مجرد، وكأنه يريد تجنّب أي احتكاك مع المواقف الأخلاقية الواضحة للشعب والحكومة الإسبانية تجاه القضايا الإنسانية في فلسطين.
“انظروا إليّ، أنا قريب منكم، أتابع ما تتابعون، وأحتفل بما تحتفلون به.”
إنها محاولة لاستدرار تعاطف الغرب عبر كرة القدم، بينما شعبه يعيش تحت القصف.
القنوات التي تبذل جهداً لتقديم البرهان بحلّة مدنية ليست ناقلة للخبر، ولكنها، بكل صلف، تُغمض عينيها عن مأساة السودان وشعبه، وتتحول إلى شريك في صناعة الوهم.
هي تدرك أن الصورة قد تطمس الحقيقة، وأن اللقطة المختارة بعناية يمكنها أن تخدع جمهوراً واسعاً.
هذه القنوات تعمل على:
تلميع رجل فقد شرعيته السياسية والأخلاقية.
إعادة تأهيله خارجياً رغم الحرب.
إظهار أن الدولة ما زالت تعمل، بينما الواقع يقول العكس.
تقديم البرهان كقائد دولة، لا كقائد حرب.
إنها ليست تغطية، هي بكل وقاحة هندسة سردية هدفها حماية رجل لا يستطيع حماية بلاده.
والاجتماع الذي نقلته “الشرق” مع قيادات الكتلة الديمقراطية ليس دليلاً على وجود عملية سياسية، ولكنه جزء من المسرحية نفسها.
اجتماع يُراد منه القول إن “الأمور تحت السيطرة”، بينما الواقع يصرخ بأن البلاد في حالة انهيار شامل.
إنه ديكور سياسي، لا أكثر.
ما يجري هو محاولة مكشوفة لإعادة رسم صورة البرهان في لحظة تاريخية مظلمة.
بدلة مدنية، وتهنئة رياضية، واجتماعات سياسية… كلها أدوات في يد إعلام يريد أن يصنع رئيساً من رماد الحرب.
لكن الحقيقة لا تُخدع بالصور.
والحرب لا تُغطّى ببدلة مدنية.
البرهان ليس رئيساً يتابع المونديال…
ولكنه مجرم حرب يتابع سقوط بلاده.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات