تقرير – صحيح السودان
خلال مخاطبته جوقة من الإعلاميين “المختارين بعناية” بمقر القيادة العامة بالخرطوم، الخميس، قال القائد العام للجيش السوداني إنه غادر مقر القيادة على متن طائرة مروحية هبطت داخل القيادة عقب تنفيذ عملية تمويه، موضحاً أن العملية لم يكن يعلم بتفاصيلها سوى ثلاثة أشخاص، هم شخصه وقائد القاعدة الجوية والطيار.
وأكد أن أي رواية تخالف هذه التفاصيل “كاذبة”، في إشارة إلى روايات متداولة حول كيفية مغادرته القيادة العامة أثناء الحصار.
حكى البرهان عن كيف أنه وقوته كانوا داخل بيت الضيافة (وليس البدروم !) طيلة فترة مكوثه بالقيادة العامة وأنه كان على بعد عشرون متراً فقط من العدو الذى ظل يصطاد بسلاحه كل من يحاول الاستطلاع وأن العدو كان يتسلل إلى داخل بيت الضيافة وكان أفراد قوته يتسللون إليهم رغم محاولاته منعهم بسبب معرفته بخطورة الموقف فكانوا يتساقطون “شـهيدا تلو شهـيد” فى منظر مأساوى – حسب روايته.
وقال إن رغم الحصار الشديد إلا أنه ورفاقه لم يصابوا باليأس فشكل غرفة صغيرة لادارة الحـ.ـرب والاشراف على العملـ.ـيات ووضع الخطط وكان هو (وحده!) من يديرها وظل كذلك.
وقتها كانت القوات رغم حماسها الا إن اليأس بدا يدب فى نفوسهم، فقرر فى لحظة الخروج وكسر الحصار وتم اعداد خطة للتمويه نصت على ارسال مجموعة عبر (بوت) لتعبر النيل صوب ام درمان وبالفعل تم ارسالهم وظن العدو ان القائد العام معهم فأطلقوا النيران صوبهم ومع ذلك عبروا الضفة وبعد أن نسي العدو الامر هبطت المروحية في الساعات الاول من الصباح داخل القيادة العامة وحملت على متنها البـرهان وغادرت ليظهر القائد في ام درمان – هذه أيضاً روايه البرهان.
ثم ظلت قوة الجيـ ش محاصرة داخل القيادة حتى أصيب بعضهم بالعمى جراء الجوع والهبوط في معدلات الفيتامينات والعناصر بالجسم واصيب بعضهم بداء عضال حيث (تعقلت) أرجلهم جراء انعدام المركبات والعناصر من اجسادهم ، وهنا بكى الصحفيين وهم يتابعون سرد وتفاصيل قصة ملحمة ما يسمى بـ”الكرامة”!
قراءة عسكرية في “معجزة” الخروج
مما لاشك فيه أن الخسائر الفادحة في الحروب، إلى جانب خسائر العتاد والأرض، تُقاس بالمصداقية والنزاهة العقائدية للمؤسسة العسكرية التي خاضت تلك الحروب.
إلا أنه حين يقف قائد عام لقوات مسلحة أمام الإعلام ليروي مشهداً سينمائياً حول “كيف خرج” من موقع محاصر، فهو يتجاوز حدود التقرير العسكري ليقدم للجمهور رواية خيالية، متوهماً تقديم نفسه للتاريخ كمرجعية للحقيقة، واضعاً عقيدة جيشه أمام اختبار مهني ساخر.
ويبقى السؤال الأول قائماً قبل الدخول في أي تفصيل آخر، أين تقع هذه القيادة أصلاً؟ وماذا كان يحيط بها فعلياً وقت هذا الحصار المفترض؟
طبيعة الموقع وتكتيكات القتال في المناطق المبنية
يتكون مقر القيادة العامة للجيش السوداني من مجمّع يضم خمسة مبانٍ رئيسة وسط العاصمة الخرطوم، يشمل مبنى قيادة القوات البرية، وقيادة القوات البحرية، ومبنى قيادة القوات الجوية، والاستخبارات العسكرية، ووزارة الدفاع (الذي تم تحويله لاحقا إلى مسمي القيادة العامة وبه مكتب القائد)، إضافة إلى بيت الضيافة الذي يقيم فيه القائد العام، ويقع بمحاذاته مطار الخرطوم الدولي، متجرداً تماماً من طبيعة المواقع المعزولة التي تسمح بمناورة جوية هادئة.
ويتجلى التناقض الأكبر في هذه “الملحمة” عبر وجود الموقع وسط كثافة عمرانية وأبراج شاهقة. وفي العلوم العسكرية الخاصة بالقتال في المناطق المبنية، تُعتبر منطقة الهبوط Landing Zone النقطة الأكثر حرجاً على الإطلاق؛ إذ تتطلب تأمين خط حد أدنى يتجاوز 300 إلى 500 متر خالية تماماً من النيران المباشرة والأسلحة الخفيفة ومقذوفات سلاح(RPG).
ومن المعلوم أن التوثيقات الميدانية لهذه المعركة تشير إلى تمركز قناصة الدعم السريع في برج قيادة كامل يقع غربي القيادة العامة مباشرة (برج المستشارية الأمنية بشارع الطابية الذي تم تخصيصه كقيادة لقوات الدعم السريع بأوامر من قائد الجيش نفسه)، واضطرار الجيش لاستهدافه بالدبابات لتدمير منظومة الاتصالات فيه تحديداً.
تؤكد هذه المعطيات خضوع الموقع لحصار منظم عبر برج مراقبة مخصص ومنظومة اتصالات كاملة لمتابعة تحركات القيادة العامة، في ضربة صريحة لفكرة الحصار العشوائي المتقطع.
ويقتضي المنطق العسكري اعتبار الهبوط الجوي في بؤرة تبعد عشرين متراً فقط عن عين الدعم السريع ونيرانه انتحاراً تكتيكياً لا تُقدم عليه أي قيادة طيران عقلانية دون تطهير مسبق لمنطقة الهبوط، إلا إذا افترضنا أن العدو قرر فجأة أخذ استراحة (شاي) جماعية لحظة مرور القائد العام!
وينقلنا هذا مباشرة إلى سؤال آخر مهم، ألا وهو كيف تنسى قوة تملك هذا المستوى من الرصد المنهجي متابعة الهدف الأهم في المعركة كلها، وتفسح له الطريق ليركب مروحيته “السحرية”؟
استحالة الإفلات الجوي
وبما أن طبيعة الموقع تستبعد أي هبوط هادئ، يفرض السؤال الفني نفسه بعقلانية وحياد، أي نوع من الطائرات المروحية كانت قادرة على تنفيذ هذه المهمة الشبحية؟ حيث تعتمد القوات الجوية السودانية أساساً على أسطول من طراز Mi-17 للنقل والإسناد، وMi-24/35 الهجومية المدرعة، وكلاهما تصميم سوفيتي قديم يُعرف بضجيجه المرعب!
تفتقر هذه الطائرات لتقنيات التخفي الصوتي؛ إذ تصدر محركاتها التوربينية المزدوجة هديراً يُسمع من مسافة كيلومتر على الأقل في الأجواء الحضرية الهادئة ليلاً، وتكشف بصمتها الحرارية مكانها لأبسط المناظير الليلية التجارية، فضلاً عن كونها أهدافاً بطيئة عند الاقتراب للهبوط، متحوّلة إلى “طبق طائر ثابت” في مرمى الأسلحة المتوسطة على بعد عشرين متراً.
يتضاعف هذا الخطر بالانتشار المكثف لمضادات الطائرات المحمولة على الكتف (Sam-7) والرشاشات الثقيلة المزدوجة (Zu-23-2) في محيط القيادة.
فالطائرة أثناء الاقتراب تضحي بالسرعة والمناورة، لتصبح هدفاً يسير التدمير. ويبدو إدعاء اختراق هذه البيئة بـ “طائرة واحدة” دون غطاء إسكات للدفاعات الجوية المعادية مجرد استخفاف بأبسط أبجديات الطيران التكتيكي.
ومما يثير الريبة في هذا السياق، أن واقع هذا الأسطول في الحرب يكشف أزمة أعمق؛ فقد دُمر عدد من مروحيات Mi-24/35 وهي رابضة على الأرض في قاعدة النجومي الجوية بجبل أولياء جنوب الخرطوم، دون تدابير حماية أساسية، وشوهد أفراد الدعم السريع وهم يمتطون تلك الطائرات وهي علي الأرض إستخفافا وسخرية بها، في مظهر أجمع الخبراء على وصفه بـ “الاستهتار العسكري”.
ويظهر التناقض بوضوح حين يُطلب منا تصديق أن منظومة القيادة ذاتها، التي عجزت عن حماية مروحياتها وهي مستقرة بأمان في قاعدة خلفية، قد تحولت فجأة إلى قوة كوماندوز فائقة نفذت عملية استخراج ليلية معقدة بنجاح خيالي ودون خسارة واحدة من قلب حصار خانق!
تناقض الاستخدام التكتيكي
ويطرح السؤال الأكثر إحراجاً لصاحب “الرواية الخيالية”، إذا كانت هذه المروحية تملك القدرة الخارقة على اختراق الحصار، والهبوط بدقة متناهية وسط نيران العدو، ثم الإقلاع بسلام دون أن يراها أحد، فلماذا لم تُستغل هذه “القدرة الجبارة” لتوجيه ضربات مباشرة على مواقع الدعم السريع المحيطة بالقيادة؟
فمروحيات Mi-24/35 مصممة أساساً للإسناد الناري القريب وتدمير تجمعات المشاة والآليات الخفيفة، ومجهزة بصواريخ ومدافع ثقيلة قادرة على مسح القوات المحيطة بالمبنى في دقائق معدودة عند توفر طيارين ذوي كفاءة عالية.
ولو كان تنفيذ عملية هبوط دقيقة ممكناً فعلاً، لكان الأجدى عسكرياً استخدام هذه القدرات المزعومة لتوجيه ضربات قاصمة تفكّ الحصار بالكامل عن كافة القادة والضباط المحاصرين، وتمنع تساقط المئات “شهيداً تلو شهيد” كما وصف هو نفسه، بدلاً من تحويل طائرة قتالية مرعبة إلى مجرد “تاكسي طائر” فاخر لإخلاء شخص واحد!
يميط هذا التساؤل اللثام عن هشاشة وضعف السردية؛ إذ ينحصر التفسير بين انعدام القدرة الجوية لتنفيذ عملية بهذه الدقة من الأساس، أو الامتناع العمدي عن استخدامها لإنقاذ مئات الجنود المحاصرين، وفي كلا الخيارين فضيحة أخلاقية وتكتيكية تجرّد القيادة من أهليتها وتخرق قواعد “التضامن القتالي”.
وحتى لو تجاوزنا مسألة القدرة الفنية جدلاً، يظل التساؤل التكتيكي قائماً ولا يمكن تجاوزه لأي محلل عسكري “مبتدئ”، تمثل لحظتا الهبوط والإقلاع أقصى مراحل الخطورة في عقيدة الطيران العسكري، لفقدان الطائرة الارتفاع والسرعة معاً.
وتنفيذ هذا على بعد عشرين متراً من عدو “يصطاد بسلاحه كل من يحاول الاستطلاع” بحسب زعم البرهان، يعني تحول ضجيج المحرك فوراً إلى هدف مجاني.
في العقائد العسكرية المحترمة، تُستبعد عمليات إخلاء الشخصيات المهمة (VVIP) في مناطق النزاع الشديد عبر مروحية فردية تمشي على استحياء.
كذلك تقتضي بروتوكولات البحث والإنقاذ القتالي توفير حزمة كاملة تشمل طائرة إخلاء رئيسية، ومروحية بديلة للطوارئ، وطائرات حماية هجومية للإسناد الجوي، وتغطية نارية مكثفة.
لكن سيناريو البرهان يخلو من أي غطاء ناري أو عمليات تشتيت، متخايلاً المروحية وهي تهبط وتطير بـ “هدوء ساحر” وكأنها في نزهة نهاية الأسبوع بمطار مدني، في تجاهل تام لمعركة طاحنة.
أما “خطة التمويه” الخرافية – إرسال مجموعة عبر قارب في النيل لتهريب وهمي للقائد – فتبدو سيناريو رديئاً من أفلام الجاسوسية القديمة، أمام قوات تمتلك برج مراقبة وتجهيزات رصد متطورة.
كما يتناقض التباهي الإعلامي بأن “ثلاثة أشخاص فقط يعلمون بالسر” مع قواعد الأمن العملياتي. وتكتمل المهزلة حين يفترض السرد أن القوة المعادية التي لم تفوّت حركة استطلاع فردية داخل بيت الضيافة، قد أصابها العمي الفجائي أمام أضخم هدف في الحرب بأكملها!

