الثلاثاء, أبريل 14, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةمؤتمر برلين حول السودان: اختبار الفاعلية أم منصة لإدارة الأزمة؟

مؤتمر برلين حول السودان: اختبار الفاعلية أم منصة لإدارة الأزمة؟

ذو النون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم: يتزامن انعقاد مؤتمر برلين حول السودان في 15 أبريل مع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب، في لحظة دولية وإقليمية معقدة يتراجع فيها الاهتمام النسبي بالملف السوداني لصالح أزمات أكثر إلحاحاً، خصوصاً في الخليج والمشرق. يأتي المؤتمر بمبادرة ألمانية وبشراكة مع فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، إلى جانب الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي، في محاولة لإعادة تنشيط المسار الدولي تجاه واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم.
غير أن هذا التحرك الدولي يصطدم بسؤال جوهري: هل يشكّل المؤتمر نقطة تحول فعلية نحو إنهاء الحرب، أم أنه يندرج ضمن نمط إدارة الأزمة دون القدرة على حسمها؟
في المعطيات:
يشارك في مؤتمر برلين طيف واسع من الفاعلين الدوليين والإقليميين، من بينهم وزراء خارجية الدول الأوروبية الرئيسية، وممثلون عن الولايات المتحدة، والسعودية، ومصر، والإمارات، إضافة إلى تركيا وقطر، إلى جانب الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية كبرى، وقوى سياسية ومدنية سودانية.
في المقابل، رفضت الحكومة السودانية في الخرطوم المشاركة، معتبرة أن المؤتمر يعكس “نهج وصاية” على القرار الوطني، ولوّحت بإعادة النظر في علاقاتها مع الدول المنظمة. كما قاطعت قوى سياسية داعمة للحكومة المؤتمر بصفتها الرسمية، في حين شاركت قوى مدنية أخرى، أبرزها التحالف المدني الديمقراطي “صمود” بقيادة عبد الله حمدوك، إلى جانب تحالف “تأسيس” المرتبط بقوات الدعم السريع والحركة الشعبية.
على المستوى الدولي، أكدت ألمانيا أن هدف المؤتمر هو جمع الأطراف المؤثرة في النزاع، بما في ذلك القوى الإقليمية الداعمة لطرفي الصراع، في محاولة لتنسيق الجهود نحو وقف الحرب. كما أشارت واشنطن إلى العمل على آلية أممية لمراقبة وقف إطلاق النار، تمهيداً لمسار سياسي أوسع.
التحليل:
أولاً: فجوة الشرعية بين الداخل والخارج:
يعاني مؤتمر برلين من إشكالية بنيوية تتعلق بشرعيته الداخلية، في ظل غياب الحكومة السودانية ورفضها للمؤتمر. هذا الغياب يحدّ من قدرة أي مخرجات على التحول إلى قرارات قابلة للتنفيذ، ويعزز السردية التي تعتبر المسار الدولي محاولة لفرض حلول خارجية. في المقلب الاخر، سعت الآلية الخماسية إلى معالجة هذه الفجوة عبر تنظيم اجتماعات تحضيرية في أديس أبابا، بهدف بلورة موقف مدني موحد يمنح المؤتمر غطاءً سودانياً. إلا أن هذا المسار لا يزال محدود التأثير في ظل الانقسام الحاد بين القوى المدنية، وتعدد المنابر السياسية.
ثانياً: بين الإغاثة الإنسانية وتعقيدات الحل السياسي:
يواجه المؤتمر تحدياً مزدوجاً: الاستجابة العاجلة للأزمة الإنسانية، والدفع نحو تسوية سياسية مستدامة. وفي هذا الإطار، تبرز المقترحات الأميركية لوقف إطلاق نار مؤقت كخطوة عملية لتأمين تدفق المساعدات، عبر آليات رقابية أممية.
غير أن هذه المقاربة، رغم أهميتها، تبقى محدودة ما لم تُربط بمسار سياسي واضح يفضي إلى ترتيبات انتقالية ذات مصداقية. إذ إن التجارب السابقة أظهرت أن الهدن المؤقتة، في غياب إطار سياسي شامل، غالباً ما تتحول إلى فترات إعادة تموضع عسكري للأطراف المتحاربة.
ثالثاً: توسّع الإطار الدولي وتعقيداته:
يمثل مؤتمر برلين تطوراً نوعياً مقارنة بالمبادرات السابقة، من حيث توسيع قاعدة المشاركة لتشمل الاتحاد الإفريقي ودول الجوار، إلى جانب القوى الغربية. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً بأن الأزمة السودانية لم تعد شأناً داخلياً، بل تحولت إلى تهديد إقليمي عابر للحدود، مع تداعيات مباشرة على دول مثل تشاد وجنوب السودان.
غير أن هذا التوسع في دائرة الفاعلين، رغم أهميته، يزيد من تعقيد إدارة الأزمة، نظراً لتباين المصالح الإقليمية والدولية، وتعدد قنوات التأثير على أطراف الصراع.
رابعاً: السودان في سياق الجغرافيا الاستراتيجية الأوسع:
يتقاطع مؤتمر برلين مع تحولات جيوسياسية أوسع، خصوصاً في ظل التوترات المرتبطة بالبحر الأحمر ومضيق هرمز. وقد أدى ذلك إلى رفع الأهمية الاستراتيجية للسودان، باعتباره جزءاً من منظومة الأمن البحري وسلاسل الإمداد العالمية.
هذا الارتباط يعزز من اهتمام القوى الدولية بالأزمة، لكنه في الوقت ذاته يفتح المجال لتداخل المصالح وتضاربها، ما قد يحوّل السودان إلى ساحة إضافية للصراع غير المباشر بين القوى الإقليمية والدولية.
خامساً: المسار المدني كمدخل محتمل للاختراق:
يشكل إدماج المسار المدني في أجندة المؤتمر أحد أبرز عناصره الجديدة، حيث يُنظر إليه كمدخل لتجاوز حالة الجمود العسكري. غير أن نجاح هذا المسار يبقى رهناً بقدرته على إنتاج تمثيل حقيقي للقوى المدنية، وتقديم بديل سياسي قابل للحياة، وهو ما لا يزال محل شك في ظل الانقسامات القائمة.


الخلاصة:

تؤدي مقاطعة الحكومة السودانية إلى تقليص فاعلية المؤتمر، وتحويله في المدى القريب إلى منصة لتنسيق المواقف الدولية وحشد التمويل الإنساني، أكثر من كونه آلية مباشرة لإنهاء الحرب.

يظل غياب الإرادة السياسية لدى أطراف الصراع العامل الحاسم في تعطيل أي جهد دولي، ما يجعل مخرجات المؤتمر مرهونة بقدرتها على فرض آليات تنفيذ واضحة ومُلزمة.

يمثل توحيد المبادرات الدولية والإقليمية شرطاً ضرورياً لأي تقدم، في ظل تعدد المسارات وتضاربها، وهو ما يضع مسؤولية إضافية على الوسطاء الدوليين.

يعكس إشراك الاتحاد الإفريقي ودول الجوار توجهاً نحو تعزيز الشرعية الإقليمية للمؤتمر، لكنه يرفع في الوقت ذاته مستوى التعقيد السياسي.

يبرز السودان كجزء من معادلة أمن إقليمي أوسع، خاصة في سياق البحر الأحمر وسلاسل الإمداد، ما يزيد من أهميته الاستراتيجية ويضاعف من حجم التداخلات الخارجية.

يمثل إدماج المسار المدني خطوة متقدمة نظرياً، إلا أن تأثيره العملي سيظل محدوداً ما لم يُترجم إلى تمثيل موحد وقادر على إنتاج تسوية سياسية مستدامة.

خلاصة التقدير أن مؤتمر برلين يعكس محاولة دولية لإعادة هيكلة إدارة الأزمة السودانية، لكنه يبقى حتى الآن أقرب إلى إطار لإدارة الصراع منه إلى منصة حاسمة لإنهائه، في ظل غياب توافق داخلي سوداني جامع.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات