مقدمة: من المدرجات إلى الذاكرة
– أنا من أولئك الذين ارتبطوا بكرة القدم منذ الصغر، ليس كمجرد لعبة، بل كشغف وحلم ولغة عالمية تجمع الشعوب. أنا شغوف جداً بالبطولات الدولية، وقد حظيت بفرصة حضور عدد كبير من أهمها، وأبرزها كأس العالم في روسيا 2018 وكأس العالم في قطر 2022 بما في ذلك حضور المباراة النهائية بين الأرجنتين وفرنسا في استاد لوسيل.
– كما حظيت بمقابلة شخصية مع أبرز أربعة عظماء في تاريخ كرة القدم: دييغو مارادونا، بيليه، ليونيل ميسي، وفرانك بيكنباور، وهي لحظات لا تُنسى ستبقى محفورة في الذاكرة والوجدان. ولحسن الحظ، أعيش اليوم في مدينة فيلادلفيا بالولايات المتحدة، الدولة المستضيفة لبطولة كأس العالم 2026، وهو ما جعلني أترقب هذه النسخة بحماس كبير، على أمل أن أعيش من جديد أجواء المدرجات التي لا تُنسى.
– لكن كلما اقترب موعد البطولة، ازداد شعوري بأن كرة القدم التي أحببناها لم تعد كما كانت، وأن اللعبة التي كانت ملكاً للجميع أصبحت تدريجياً أقرب إلى منظومة مغلقة تتحكم فيها المصالح المالية والسياسية أكثر من روح الرياضة نفسها.
من لعبة الفقراء إلى حلم عالمي مفتوح
– لسنوات طويلة كانت كرة القدم تُعرف بأنها “لعبة الفقراء”. لم تكن مجرد رياضة، بل مساحة اجتماعية مفتوحة، يلتقي فيها الجميع على قدم المساواة، بعيداً عن الفوارق الطبقية والسياسية.
– كان الطفل في الحي البسيط يحلم بالنجومية، وكان العامل البسيط قادراً على متابعة المباريات مجاناً عبر القنوات المفتوحة. وكانت كأس العالم حدثاً عالمياً حقيقياً، يشعر فيه المشجع أنه جزء من العالم، لا مجرد مستهلك له.
– سر شعبية كرة القدم لم يكن في تعقيدها، بل في بساطتها:
كرة واحدة، ملعب واحد، وحلم واحد يجمع الملايين.
– كما كانت في جوهرها بعيدة نسبياً عن السياسة، تُقدَّم كمساحة للتقارب بين الشعوب، لا كأداة للنفوذ أو التوظيف السياسي.
التحول الكبير: حين أصبحت اللعبة اقتصاداً وسياسة
– في نسخة كأس العالم 2026 تحولت كرة القدم إلى صناعة ضخمة تدار بمنطق الأرباح والسياسة أكثر من قيم الرياضة نفسها. أصبحت البطولة محاطة بالمصالح السياسية والاقتصادية، بل وصل الأمر إلى استخدام شعارات مثل “السلام” و“التعايش” لتجميل صورة شخصيات وأنظمة متهمة بإشعال الحروب وصناعة المآسي حول العالم.
– أما الجماهير التي صنعت شعبية اللعبة لعقود، فقد أصبحت آخر من يُؤخذ رأيه في الاعتبار.
– وفي السنوات الأخيرة، تحولت كرة القدم إلى صناعة عالمية ضخمة تتجاوز حدود الرياضة. وفي كأس العالم 2026 تحديداً، توسعت البطولة من 32 إلى 48 منتخباً، وارتفع عدد المباريات من 64 إلى 104 مباراة. هذا التوسع فُسّر على أنه خطوة نحو العالمية وزيادة الانتشار، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام تضخم اقتصادي غير مسبوق في الحقوق التجارية والبث والرعاية.
ومنطقياً، كان يفترض أن يؤدي هذا التوسع إلى:
• تخفيض أسعار التذاكر
• توسيع إمكانية حضور الجماهير
• جعل البطولة أكثر انفتاحاً على مختلف الفئات
– لكن الواقع ذهب في الاتجاه المعاكس، حيث شهدت أسعار التذاكر ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالنسخ السابقة، وتحول حضور المباريات إلى عبء مالي يفوق قدرة الشرائح الأوسع من الجماهير التي صنعت شعبية اللعبة عبر عقود طويلة.
– فقد تجاوزت أسعار معظم مباريات البطولة حاز الألف دولار للمقعد الواحد، بينما وصلت أسعار بعض مباريات الأدوار المتقدمة والنهائي إلى اكثر من عشرة الف دولار، مع اعتماد نظام التسعير المتغير وفقاً للطلب. كما طرحت باقات الضيافة الرسمية بأسعار تبدأ من أكثر من 1300 دولار للمباراة الواحدة، بينما تجاوزت بعض الباقات الفاخرة 70 ألف دولار للشخص الواحد.
كرة القدم خلف الجدران: المال والبث والاحتكار
– لم تتوقف الأزمة عند التذاكر فقط، بل امتدت إلى طريقة مشاهدة اللعبة نفسها.
– فبعد أن كانت بطولات كأس العالم تُعرض على قنوات مفتوحة في العديد من الدول، أصبحت اليوم حقوق البث محتكرة لشبكات وقنوات مشفرة تتطلب اشتراكات شهرية أو موسمية مرتفعة.
– ففي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحتكر شبكة beIN Sports حقوق البث، بينما تعتمد المشاهدة في الولايات المتحدة على اشتراكات مدفوعة عبر منصات وقنوات مختلفة مثل Fox One وYouTube TV وFubo وغيرها.
– وبذلك، تحولت كرة القدم من تجربة جماهيرية مفتوحة إلى منتج إعلامي مُسعّر، تُقسم فيه الجماهير حسب قدرتها الشرائية.

48 ساعة كشفت الكثير
– قبل انطلاق البطولة بساعات قليلة، شهد العالم سلسلة من الوقائع المثيرة للجدل، من بينها تأخير دخول اللاعب السويسري ذو الأصول الأفريقية إمبولو، واحتجاز اللاعب العراقي أيمن حسين لساعات طويلة، وتعقيدات التأشيرات التي واجهها المنتخب الإيراني، ومنع الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان من دخول الولايات المتحدة، وتأخر بعثة جنوب أفريقيا، والتفتيشات المهينة لأفراد بعثة السنغال، والمنتخب الأوزبكي، بالإضافة إلى رفض تأشيرات عدد كبير من المشجعين الذين اشتروا التذاكر وحجزوا إقامتهم مسبقاً.
– قد تختلف التفسيرات الرسمية لهذه الأحداث، لكنها مجتمعة خلقت انطباعاً واسعاً بأن الوصول إلى كأس العالم لم يعد متاحاً للجميع بالقدر نفسه.

كرة القدم لم تعد لنا :
– كل ذلك يطرح سؤالاً بسيطاً: هل ما زالت كأس العالم بطولة تجمع العالم فعلاً؟
– إذا كانت البطولة قد توسعت لتضم 48 منتخباً و104 مباريات بهدف زيادة الانتشار والعائدات، فإن العدالة كانت تقتضي أن تصبح أكثر قرباً من الجماهير، لا أكثر بعداً عنها.
– لقد كانت كرة القدم مساحة مفتوحة للحلم، أما اليوم فقد أصبحت تجربة يحددها المال، والتأشيرة، والقدرة على الوصول.
– وربما لهذا السبب، ورغم كل ما حققته اللعبة من نجاح تجاري وانتشار عالمي، يبقى الشعور الذي يراود كثيراً من عشاقها حول العالم:
– كرة القدم لم تعد لنا.
مازن أبو الحسن
فيلادلفيا، الولايات المتحدة الأمريكية
11 يونيو 2026

