من سوتشي البشير إلى موسكو البرهان … أوهام الحماية الروسية وأزمة العقل الإخواني في إدارة الدولة

0
23
عروة الصادق
عروة الصادق

من سوتشي البشير إلى موسكو البرهان … أوهام الحماية الروسية وأزمة العقل الإخواني في إدارة الدولة

عروة الصادق

في نوفمبر 2017م، ذهب المخلوع عمر البشير إلى منتجع سوتشي الروسي، مثقلًا بأزمات حكمه، ومستجديًا الرئيس فلاديمير بوتين لحماية نظامه من الولايات المتحدة. وبعد تسع سنوات تقريبًا، يصل عبد الفتاح البرهان إلى موسكو “العرقان” العريان مكسوّا بزهو أعمى بصيرته، حاملًا إرث المنظومة السياسية والأمنية نفسها، ومستدعيًا الأدوات الدبلوماسية التي استخدمتها في سنواتها الأخيرة: استمالة القوى الكبرى، وتقديم الموارد والمواقع الاستراتيجية، والبحث عن سند خارجي يعوض التآكل الداخلي للشرعية؛ كل ذلك بحثا عن دفء حضن موسكو الذي يكسو عريه.

التاريخ هنا يستحق القراءة بعناية؛ فالتشابه بين الزيارتين يتجاوز البروتوكول والوجهة الجغرافية إلى طبيعة التفكير السياسي الذي يحكم إدارة العلاقات الخارجية. غير أن العالم الذي استقبل البشير عام 2017م تغير، وروسيا التي استمعت إلى استغاثته تواجه اليوم حسابات استراتيجية أكثر تعقيدًا، بينما أصبح السودان نفسه ساحة حرب مفتوحة، تتنازعها المصالح الإقليمية والدولية، وتتهدد وحدته أزمات الحكم والسلاح والاقتصاد والانقسام الاجتماعي.

والسؤال الجوهري: هل ذهب البرهان إلى موسكو لبناء مستقبل العلاقات السودانية الروسية، أم للبحث عن ضمانة جديدة لاستمرار سلطته؟

هذا السؤال تفرضه طبيعة السلطة وسجلها السياسي، وتفرضه كذلك التصريحات الصادرة عن لقاء البرهان وبوتين في الكرملين يوم 30 أكتوبر 2026م.

فبحسب الرواية الرسمية لسلطة الأمر الواقع أعرب البرهان عن امتنانه للمواقف الروسية في مجلس الأمن، وخصّ بالذكر التصدي لمحاولة توسيع نطاق حظر السلاح، وعرض على موسكو فرصًا للاستثمار في الذهب والنحاس والمعادن والطاقة والزراعة، بينما أكد بوتين استعداد بلاده لدعم الاستقرار ووقف الحرب وتحقيق السلام الدائم.

وهنا تكمن المفارقة: البرهان يثمّن الموقف الروسي من القيود المفروضة على التسليح، بينما يعلن بوتين دعم إنهاء النزاع. طرف يبحث عن توسيع هوامش حركته العسكرية والسياسية، وطرف يتحدث عن مصالح اقتصادية واستراتيجية وعن ضرورة الاستقرار.

ولا يعني هذا أن المصالح الروسية تتعارض بالضرورة مع بقاء البرهان، لكنه يكشف أن حسابات موسكو أوسع من مصير رجل واحد أو سلطة واحدة.

● أولًا: سوتشي 2017م.. عندما طلب البشير من روسيا حماية نظامه

في الثالث والعشرين من نوفمبر 2017م، وقف عمر البشير أمام فلاديمير بوتين، وطلب باستجداء ووهن وخوار عزيمة الحماية من السياسات الأميركية التي وصفها بالعدائية، وتحدث عن البحر الأحمر والتعاون العسكري، وأبدى اهتمامًا بتعزيز الوجود الروسي في المنطقة.

كانت تلك الزيارة تعبيرًا عن أزمة استراتيجية واجهت نظام الإنقاذ في سنواته الأخيرة؛ فقد استنفد البشير جانبًا كبيرًا من قدرته على المناورة بين القوى الإقليمية والدولية، وتراكمت عليه أزمات الاقتصاد والشرعية والعقوبات والصراعات الداخلية.

وتؤكد كافة التقارير المنشورة آنذاك أن البشير طلب الحماية الروسية صراحة، رغم أن واشنطن كانت قد رفعت قبل الزيارة بأسابيع جانبًا مهمًا من العقوبات الاقتصادية المفروضة على السودان.

وهذا التفصيل بالغ الأهمية؛ إذ يكشف أن المشكلة التي واجهها البشير تجاوزت العقوبات الأميركية إلى أزمة أعمق تتعلق بعجز نظامه عن تجديد شرعيته وإصلاح بنيته السياسية والاقتصادية.

لقد حاولت منظومة الإنقاذ توظيف التنافس الأميركي الروسي للحصول على ضمانات سياسية وأمنية. وكانت تراهن على أن تقديم الامتيازات الاستراتيجية لموسكو يمكن أن يوفر لها حماية من الضغوط الغربية، وربما من التحولات الداخلية.

لكن التاريخ قدم إجابته في أبريل 2019م. سقط البشير، وبقيت روسيا.

وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن يقرأها البرهان جيدًا: الدول الكبرى تبني علاقاتها مع الدول والمصالح المستدامة، بينما تتعامل مع الحكام باعتبارهم أطرافًا مرحلية تتغير مواقعهم بتغير موازين القوى.

 

والمفارقة أن المنظومة التي عجزت عن إنقاذ البشير من السقوط، رغم ثلاثة عقود من السيطرة على مؤسسات الدولة، تبدو اليوم أقرب إلى إعادة إنتاج خياراته الأخيرة، دون مراجعة جادة لأسباب إخفاقها التاريخي.

● ثانيًا: البرهان يكرر الوسيلة ويتجاهل أسباب الفشل

منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021م، دخل السودان مسارًا متصاعدًا من الأزمات السياسية والدستورية والأمنية، انتهى إلى اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023م بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع.

وكان الانقلاب قد أطاح بالترتيبات الانتقالية، وأضعف فرص بناء سلطة مدنية مستقرة، وأعاد تركيز القرار السياسي في القيادة العسكرية.

ثم جاءت الحرب لتكشف حجم الخلل الذي أصاب بنية الدولة، وعلاقات المؤسسة العسكرية بالقوى السياسية والتشكيلات المسلحة، وقدرتها على إدارة التناقضات داخل المنظومة الأمنية نفسها.

وفي تقديري أن البرهان ارتكب خطأً استراتيجيًا متكررًا: اعتقد أن السيطرة على مؤسسات القوة تمنحه القدرة على التحكم في المستقبل السياسي، ثم راهن على الحرب لإعادة تشكيل موازين السلطة، وأصبح يبحث عن سند خارجي يتيح له الاستمرار في إدارة الصراع بشروطه.

إن أخطر ما في هذه المقاربة أنها تخلط بين بقاء الدولة وبقاء الحاكم، وبين حماية المؤسسة العسكرية وحماية القيادة السياسية، وبين السيادة الوطنية وحرية السلطة في التصرف خارج الرقابة الدستورية.

فالسيادة التي تُستدعى لمقاومة الضغوط الدولية ينبغي أن تُمارس أولًا في حماية المواطنين، وصيانة وحدة البلاد، وإخضاع القرار العام للمؤسسات، وحفظ الموارد من الاستغلال والفساد.

وما قيمة السيادة إذا كان ملايين السودانيين نازحين، والمدن مدمرة، والاقتصاد منهكًا، والمؤسسات عاجزة عن توفير الحد الأدنى من الخدمات؟ وما جدوى الحصول على دعم دبلوماسي في مجلس الأمن إذا عجزت السلطة عن تقديم مشروع وطني قابل لإنهاء الحرب؟

إن الدعم الخارجي يمكن أن يمنح السلطة وقتًا إضافيًا للمناورة، لكنه يعجز عن معالجة الأسباب البنيوية لفشل الحكم.

وهذه هي المعضلة التي واجهت البشير، ويواجهها البرهان اليوم.

● ثالثًا: روسيا 2026م.. مصالح دولة كبرى تتجاوز حسابات بورتسودان

ينبغي على صانعي القرار في بورتسودان إدراك أن موسكو تدير علاقاتها الدولية وفق حسابات متشابكة تشمل الحرب الأوكرانية، والعقوبات الغربية، وأسواق الطاقة، والتنافس على النفوذ في أفريقيا، وأمن البحر الأحمر، وعلاقاتها مع الولايات المتحدة والصين ودول الخليج.

وقد أصبحت العلاقة بين بوتين وترامب عاملًا مهمًا في هذه الحسابات، سواء اتجهت نحو تفاهمات محدودة أو تسويات أوسع.

لكن من الخطأ افتراض أن التقارب الأميركي الروسي يعني بالضرورة اتفاقًا شاملًا بين البلدين، أو أن واشنطن وموسكو قد توصلتا إلى تفاهم محدد بشأن السودان.

الأدق أن احتمالات التفاهم بين القوتين تقلل جدوى الرهان السوداني على استثمار خصومتهما بوصفها ضمانة دائمة للحماية السياسية.

فإذا اتجهت موسكو وواشنطن إلى تفاهمات أوسع بشأن بعض الملفات الدولية، فقد يصبح السودان مجالًا للتنسيق أو المقايضة الدبلوماسية أو تقاطع المصالح، وفق طبيعة التفاهمات وموازين القوى.

أما إذا استمرت المنافسة بينهما، فإن روسيا ستظل معنية بحماية مصالحها في السودان، لكنها قد تفضل ترتيبات تضمن استمرار تلك المصالح عبر أي تحول سياسي مستقبلي.

وفي الحالتين، لا توجد مصلحة استراتيجية ثابتة تفرض على موسكو ربط مستقبل علاقاتها بالسودان بمصير البرهان الشخصي.

بل إن روسيا تستطيع، من منظور المصالح بعيدة المدى، بناء علاقات أكثر استقرارًا مع دولة سودانية موحدة، ذات مؤسسات شرعية، واقتصاد قابل للتعافي، وسلطة قادرة على الوفاء بالتزاماتها الدولية.

والدولة المستقرة أكثر قيمة للشريك الاستراتيجي من سلطة مضطربة تعرض الامتيازات تحت ضغط الحاجة إلى الحماية.

● رابعًا: الذهب والبحر الأحمر.. هل تُعرض موارد السودان مقابل إطالة عمر السلطة؟

تكتسب تصريحات البرهان بشأن استعداد السودان لمنح روسيا فرصًا للاستثمار في الذهب والنحاس والمعادن الأخرى أهمية خاصة.

فالذهب يمثل أحد أهم الموارد الاقتصادية السودانية، لكنه أصبح أيضًا جزءًا من الاقتصاد السياسي للحرب، بما يرتبط به من شبكات إنتاج وتجارة وتهريب وتمويل، وظل البرهان يستخدم مطار بورتسودان موئلا لتجميع وتهريب الذهب عبر شحنات إلى مطار اللاذقية السوري إبان حكم المخلوع بشار الأسد حتى خروج روسيا بعد الاطاحة بنظام الأسد.

أما البحر الأحمر، فيمنح السودان موقعًا استراتيجيًا بالغ الحساسية، بالنظر إلى حركة التجارة الدولية وأمن الملاحة والتنافس على الموانئ والمواقع العسكرية.

ومن الطبيعي أن تهتم روسيا بهذه الموارد والمواقع، كما تهتم بها قوى دولية وإقليمية أخرى.

لكن السؤال يتعلق بطبيعة الاتفاقات والجهات التي تتخذ قراراتها، ومدى خضوعها للمراجعة والرقابة، والضمانات التي تكفل عائداتها للشعب السوداني.

إن أي اتفاق استراتيجي طويل الأجل يُبرم أثناء الحرب، ويمنح امتيازات استثنائية في الموارد أو الموانئ أو المنشآت العسكرية، ينبغي أن يخضع لتدقيق قانوني واقتصادي مستقل، وأن تُراعى فيه حدود صلاحيات السلطة التي توقعه.

فالموارد الطبيعية ملك للشعب السوداني، وليست احتياطيًا سياسيًا تستخدمه السلطة عند اشتداد أزماتها.

ولا يجوز تحويل حاجة السودان إلى الشراكات الدولية إلى مدخل لتقديم التزامات سيادية يصعب تعديلها مستقبلًا.

ومن مصلحة روسيا نفسها أن تستند استثماراتها إلى اتفاقات شفافة، تتمتع بمشروعية مؤسسية وقبول وطني، حتى تتجنب النزاعات القانونية والسياسية التي قد ترافق التحولات المقبلة والدرس السوري الأسدي حاضر في العقل الاستراتيجي الروسي.

فالاتفاق الذي تحميه المؤسسات أكثر استدامة من الاتفاق الذي تحميه علاقة شخصية بين رئيسين.

● خامسًا: أزمة المنظومة المتأسلمة.. الاستقواء بالخارج بعد استنفاد الداخل

إن الإشكال الأعمق في تجربة الحكم السودانية يتمثل في استمرار العقلية التي تعاملت مع الدولة باعتبارها امتدادًا لمشروع سياسي وأمني ضيق.

وقد أسهمت منظومة الإنقاذ في إخضاع مؤسسات عامة واسعة لمنطق الولاء السياسي، وتوسيع نفوذ الأجهزة الأمنية، وإضعاف استقلال الخدمة المدنية، وتكوين شبكات مصالح اقتصادية ارتبطت بمراكز السلطة.

وفي تقديري، فإن عودة شخصيات وشبكات من النظام السابق إلى مواقع التأثير بعد إنقلاب أكتوبر وخلال الحرب تستوجب فحصًا جديًا لطبيعة العلاقة بين قيادة البرهان والتيارات الإسلامية المنظمة، ومدى تأثيرها في القرار العسكري والسياسي.

فالخطر يتجاوز عودة أفراد إلى مواقع النفوذ، ليشمل احتمال استعادة نموذج الحكم الذي أدى إلى إضعاف المؤسسات وإغلاق المجال السياسي.

وهنا تظهر المفارقة التاريخية القاسية.

المنظومة التي رفعت شعارات السيادة والاستقلال الوطني طوال عقود “أمريكيا روسيا قد دنا عذابها:، انتهت في سنوات البشير الأخيرة إلى خضوع وخنوع وطلب الحماية الخارجية، وتبدو اليوم مستعدة لإعادة استخدام الأدوات نفسها تحت قيادة البرهان.

لقد كانت تستطيع بناء دولة تستمد قوتها من مواطنيها ومؤسساتها واقتصادها وعلاقاتها المتوازنة، لكنها اختارت الاستبداد السياسي والتوسع الأمني واحتكار القرار.

وعندما ضعفت قدرتها على إنتاج الاستقرار الداخلي، أصبحت تبحث عن ضمانات بقائها في عواصم الخارج.

وهذا هو جوهر الأزمة: سلطة تستنفد مصادر الشرعية الداخلية، ثم تحاول تعويضها بتحالفات خارجية مكلفة.

إن روسيا تستطيع مساعدة السودان على التعافي، لكنها لا تستطيع منح البرهان شرعية دستورية يفتقر إليها، أو إعادة بناء الثقة بين المواطنين والسلطة بقرار من الكرملين.

● سادسًا: الرسالة إلى موسكو .. السودان شريك استراتيجي محتمل، أكبر من أي سلطة

من الخطأ التعامل مع العلاقات السودانية الروسية باعتبارها امتدادًا لخصومة القوى السياسية السودانية مع البرهان.

فروسيا دولة كبرى تمتلك قدرات علمية وصناعية وتقنية وخبرات في الطاقة والزراعة والتعدين والبنية التحتية والتعليم.

والسودان يمتلك موقعًا جغرافيًا مهمًا، وموارد طبيعية واسعة، وأراضي زراعية، وثروة حيوانية، وإمكانات اقتصادية يمكن أن توفر أساسًا لشراكة حقيقية تحقق مصالح الشعبين.

ومن هنا ينبغي تأسيس العلاقة المستقبلية على خمسة مرتكزات استراتيجية مترابطة.

  • أولها، احترام وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه، ودعم تسوية سياسية توقف الحرب وتحافظ على مؤسسات الدولة وتفتح الطريق أمام انتقال مدني متوافق عليه.
  • وثانيها، الفصل بين التعاون مع الدولة السودانية ودعم استمرار أي قيادة سياسية بعينها، بما يحمي المصالح الروسية من تقلبات السلطة، ويحفظ للسودانيين حقهم في تقرير مستقبل نظام الحكم.
  • وثالثها، إعطاء الأولوية للاستثمارات الإنتاجية، خصوصًا في الزراعة والطاقة والكهرباء والنقل والصناعات التحويلية والتعدين المسؤول، وفق اتفاقات شفافة تتضمن التشغيل المحلي ونقل المعرفة والتكنولوجيا.
  • ورابعها، إخضاع التعاون العسكري والأمني لمقتضيات القانون الدولي والرقابة المؤسسية، وربطه ببناء مؤسسة عسكرية وطنية مهنية، وبترتيبات تمنع توظيف السلاح في القمع السياسي أو انتهاك حقوق المدنيين.
  • وخامسها، مساهمة روسيا في جهود السلام وإعادة الإعمار، من خلال موقعها في مجلس الأمن وعلاقاتها الإقليمية والدولية، بما يدعم وقف إطلاق النار، ووصول المساعدات الإنسانية، والتسوية السياسية الشاملة.

إن هذه المقاربة تمنح موسكو فرصة لبناء علاقة استراتيجية طويلة الأجل مع السودان، وتجنبها الارتهان إلى حسابات السلطة القائمة.

كما تتيح للسودان الاستفادة من التعاون الروسي دون الدخول في اصطفافات دولية تضعف استقلال قراره الوطني.

فالعلاقة الاستراتيجية الحقيقية تُقاس بما تضيفه إلى أمن الشعبين وازدهارهما، وبقدرتها على الاستمرار بعد تغير الحكومات والرؤساء.

● سابعًا: الرسالة إلى واشنطن والعواصم الإقليمية

إن زيارة البرهان إلى موسكو ينبغي أن تدفع الولايات المتحدة والقوى الإقليمية إلى مراجعة طريقة تعاملها مع الأزمة السودانية.

فكلما طال أمد الحرب، وتعطلت التسوية السياسية، وتراجعت فرص التعافي الاقتصادي، ازدادت قدرة الأطراف المسلحة على استخدام الموارد والمواقع الاستراتيجية لاستقطاب الدعم الخارجي.

وهذا يفتح الباب أمام تحويل السودان إلى مساحة إضافية للتنافس الدولي، بما يحمله ذلك من مخاطر على البحر الأحمر والقرن الأفريقي وأمن المنطقة.

وعليه، فإن التعامل مع السودان من منظور التوازنات العسكرية وحدها سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة.

أما المقاربة الأكثر فاعلية فتقوم على دعم وقف الحرب، وحماية المدنيين، ومنع تدفقات السلاح غير المشروعة، ومكافحة شبكات تمويل الصراع، وتوفير ضمانات دولية لعملية سياسية سودانية جامعة.

ومن المهم كذلك أن تدرك العواصم الإقليمية أن استقرار السودان يمثل مصلحة أمنية واقتصادية مشتركة، وأن استمرار تفككه سيضاعف مخاطر النزوح والجريمة المنظمة وتهريب السلاح واضطراب التجارة الحدودية.

إن التنافس على النفوذ داخل السودان المنهك قد يمنح بعض الأطراف مكاسب مؤقتة، لكنه يهدد الجميع بخسائر استراتيجية ممتدة.

● ثامنًا: ما الذي ينبغي أن يفهمه البرهان من زيارة موسكو؟

كان بإمكان البرهان أن يجعل زيارته فرصة لتقديم تصور وطني متكامل لإنهاء الحرب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وحشد الموارد الدولية للإغاثة والإعمار.

لكن الإشارات السياسية المصاحبة للزيارة، وخصوصًا التركيز على الموقف الروسي من حظر السلاح، تثير تساؤلات مشروعة بشأن ترتيب الأولويات.

فالسودان يحتاج إلى وقف الحرب أكثر من حاجته إلى توسيع أسواق التسليح.

ويحتاج إلى إعادة تشغيل الإنتاج الزراعي والصناعي أكثر من حاجته إلى صفقات موارد تُبرم تحت ضغط الأزمة.

ويحتاج إلى استعادة الثقة بين مكوناته الاجتماعية والسياسية أكثر من حاجته إلى ضمانات خارجية لبقاء القيادة العسكرية.

وإذا كان البرهان يعتقد أن تعزيز علاقته بموسكو سيمنحه قدرة أكبر على فرض شروطه السياسية والعسكرية، فعليه أن يراجع تجربة البشير بعناية.

لقد ذهب البشير إلى بوتين، وعاد إلى الخرطوم، ثم سقط نظامه بعد أقل من عام ونصف.

ولا تعني هذه المقارنة أن البرهان سيواجه المصير نفسه أو أن موسكو ستتخذ الموقف ذاته؛ فالتاريخ لا يتكرر آليًا، والظروف مختلفة. لكنها تؤكد أن التحالفات الخارجية تعجز عن إنقاذ سلطة فقدت قدرتها على معالجة أزماتها الداخلية.

والدرس الذي تجاهلته منظومة الإنقاذ، ويخاطر البرهان بتجاهله مجددًا، أن حماية الدولة تبدأ بإصلاح الحكم، وأن قوة الجيش تُقاس بقدرته على حماية الوطن، وأن شرعية السلطة تنبع من المواطنين والمؤسسات، وأن العلاقات الدولية لا تصلح بديلًا عن العقد الوطني.

● ختامًا: روسيا لن تكون سوتشي أخرى.. والسودان يحتاج إلى دولة تتعامل مع العالم من موقع المصالح

إن زيارة البرهان إلى موسكو تكشف عن اختبار استراتيجي مزدوج.

فأمام روسيا فرصة لتطوير علاقاتها بالسودان على أساس المصالح المتبادلة والاستقرار طويل الأجل، وأمام البرهان فرصة لمراجعة النهج الذي أوصل البلاد إلى الحرب والانهيار.

غير أن المؤشرات السياسية تثير مخاوف من أن سلطة بورتسودان ما زالت تبحث عن حلول خارجية لأزمة صنعت جانبًا كبيرًا من أسبابها داخليًا.

لقد كانت تجربة البشير كافية لتوضيح حدود الاستقواء بالقوى الكبرى. فالكرملين يستطيع توقيع الاتفاقات وتقديم الدعم الدبلوماسي وتطوير التعاون الاقتصادي والعسكري، لكنه يعجز عن منح أي حاكم ضمانة دائمة ضد نتائج سياساته.

كما أن موسكو، في ضوء مصالحها الدولية وعلاقاتها المتغيرة مع واشنطن، قد تجد أن التعاون مع دولة سودانية مستقرة أكثر جدوى من الارتباط بمستقبل سلطة تواجه حربًا طويلة وأزمة شرعية وانقسامًا وطنيًا.

إن روسيا التي استقبلت البشير عام 2017م لم تسقط بسقوطه، ولن تتوقف مصالحها في السودان عند البرهان. وهذه الحقيقة وحدها كافية لإسقاط وهم الحماية الخارجية الدائمة.

أما السودان، فإن مستقبله يستوجب الخروج من الحلقة التي جعلت موارده وموقعه الجغرافي أوراقًا تستخدمها السلطات المتعاقبة لتأمين استمرارها.

نريد علاقة سودانية روسية قوية، تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والتعاون الاقتصادي والعلمي والتقني، وتدعم وحدة السودان واستقراره وتحوله المدني الديمقراطي.

ونريد علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والصين وأوروبا ودول الخليج وأفريقيا، تحكمها المصلحة الوطنية، وتحفظ استقلال القرار السوداني.

فالسودان الذي يستحقه شعبه يحتاج إلى شركاء في البناء والسلام، وإلى مؤسسات تحمي سيادته وموارده، وإلى سلطة تستمد مشروعيتها من مواطنيه.

وأمام البرهان ومن يقفون خلفه من شبكات السلطة القديمة حقيقة تاريخية ينبغي إدراكها قبل فوات الأوان:

لقد جرّب البشير أن يستعير من بوتين ضمانة لبقاء نظامه، فسقط النظام وبقيت المصالح الروسية. واليوم يستطيع البرهان أن يذهب إلى موسكو ويعود منها محملًا بالوعود والاتفاقات، لكنه لن يستطيع أن يستورد من الكرملين شرعية فقدتها سلطته، أو سلامًا تعجز سياساته عن صناعته، أو مستقبلًا يصادر حق السودانيين في تقريره.

فالدول تُبنى بإرادة شعوبها، وتستقر بمؤسساتها، وتنهض بمواردها وعدالة حكمها. أما الأنظمة التي تبحث عن ضمانات بقائها خارج حدودها، فإنها تؤجل مواجهة أزماتها وتضاعف كلفتها على أوطانها.

نيالا – دارفور