الرئيسيةاخبار سياسيةمن ضبط الماء إلى ضبط الجغرافيا ...مشاورات القاهرة وإعادة تشكيل موازين القرن...

من ضبط الماء إلى ضبط الجغرافيا …مشاورات القاهرة وإعادة تشكيل موازين القرن الأفريقي والبحر الأحمر

ذو النون سليمان ، وحدة الشؤون الافريقية ، مركز تقدم للسياسات – لندن

تقدير موقف

تقديم

عقدت في القاهرة، يوم الأحد 19 يوليو 2026، سلسلة من المشاورات الدبلوماسية التي استضافتها وزارة الخارجية المصرية، من خلال لقاءات ثنائية منفصلة عقدها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع كل من وزير الخارجية الصومالي ووزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، إلى جانب لقاء منفصل مع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية. غير أن قراءة هذه المشاورات بمعزل عن سياقها الاستراتيجي الأوسع تحجب دلالتها الفعلية؛ فهذه اللقاءات ليست حدثاً منعزلاً، بل الحلقة الأحدث في مسار مصري متصاعد منذ أشهر، بدأ يعيد تعريف أدوات القاهرة في مواجهة إثيوبيا بعد أن أغلق افتتاح سد النهضة الإثيوبي الكبير في سبتمبر 2025 الباب أمام ورقة الضغط المائي التقليدية.

في المعطيات:

اللقاء المصري الصومالي في 19 يوليو 2026 تناول تطورات الصومال والقرن الأفريقي، وتعزيز الشراكة الاستراتيجية، وتنسيق أمن البحر الأحمر، مع تأكيد القاهرة دعمها لوحدة الصومال وسيادته، ودعوتها لتكثيف الجهود لتحرير البحارة المصريين المختطفين قبالة سواحله.

اللقاء المصري الإريتري ركّز على العلاقات الثنائية والتنسيق السياسي حيال القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وجدد الطرفان موقفاً مشتركاً مفاده أن أمن البحر الأحمر مسؤولية حصرية للدول المشاطئة، ورفض أي ترتيبات تفرضها أطراف خارجية، إلى جانب تبادل وجهات النظر حول السودان والصومال.

اللقاء المصري الأمريكي مع مسعد بولس تناول السودان وليبيا والقرن الأفريقي، مع تأكيد الجانبين استمرار التنسيق الثنائي حيال القضايا الإقليمية. ولم تصدر عن اللقاءات مجتمعة أي وثيقة مشتركة أو بيان ختامي موحد.

هذه المشاورات تأتي امتداداً لمسار تراكمي بدأ فعلياً في أكتوبر 2025، حين قام الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بزيارة عمل استمرت خمسة أيام إلى القاهرة تناولت اضطراب السودان وأمن الصومال وحوكمة البحر الأحمر، تلته زيارة وفد مصري رفيع برئاسة وزير الخارجية عبد العاطي ووزير النقل كامل الوزير إلى أسمرا في مايو 2026، جرى خلالها توقيع اتفاقيات ثنائية في مجالات النقل البحري والموانئ والبنية التحتية والتعدين ومصايد الأسماك.

في ديسمبر 2025، وقّع نائب رئيس الوزراء المصري كامل الوزير اتفاقيات مع جيبوتي شملت إنشاء محطة حاويات جديدة في ميناء دوراليه، جعلت من مصر، بحلول توقيع مذكرة التفاهم البحرية مع الصومال في يوليو 2026، تمتلك أدوات تعاون بحري وموانئ فعلية مع الدول الثلاث (جيبوتي وإريتريا والصومال) التي تمر عبرها الغالبية العظمى من تجارة إثيوبيا الخارجية.

في فبراير 2026، تداولت تقارير غربية (منها صحيفة The National) معلومات عن عرض مصري غير رسمي لإثيوبيا يقضي بتسهيل وصولها إلى البحر الأحمر عبر شراكات مصر مع السودان والصومال وجيبوتي، مقابل قبول أديس أبابا بقواعد ملزمة لملء وتشغيل سد النهضة والتخلي عن أي طموح لقاعدة عسكرية ساحلية؛ وهو عرض نفته القاهرة رسمياً ووصفته بأنه “عار عن الصحة تماماً”، لكن التقارير أشارت إلى أنه يحمل تهديداً ضمنياً: رفض إثيوبيا العرض المصري قد يؤدي لعرقلة وصولها للبحر من خلال توظيف نفوذها السياسي في المنطقة.

ردّت أديس أبابا على تصاعد هذا النشاط الدبلوماسي المصري باتهامات متكررة ومباشرة؛ إذ صرح المتحدث باسم الخارجية الإثيوبية في مايو 2026 بأن “الإجراءات المصرية في المنطقة تهدف إلى تطويق إثيوبيا وعرقلة تطلعاتها الاستراتيجية، وفي مقدمتها الحصول على منفذ بحري”، واصفاً النهج المصري بأنه “سياسة معروفة تقوم على محاولة تحجيم دور إثيوبيا والحد من طموحاتها التنموية والاستراتيجية”.

توسّع الحضور العسكري المصري في الصومال إلى ما هو أبعد من الحصة الرسمية المخصصة له ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم واستقرار الصومال (أوسوم)، ليشمل عمليات نشر إضافية وبرامج تدريب وشحنات أسلحة ومناورات عسكرية مشتركة مخطط لها مع القوات الصومالية.

في 1 يوليو 2026، أبلغت الولايات المتحدة مفوضية الاتحاد الأفريقي أنها لن تدعم تجديد تفويض بعثة أوسوم إلى ما بعد ديسمبر 2026 إذا استمر اعتمادها على مكتب الأمم المتحدة لدعم الصومال في الإمداد اللوجستي، وهو المكتب الذي يوفر للبعثة الوقود والمؤن والإجلاء الطبي والنقل بميزانية تقارب نصف مليار دولار.

القراءة والتحليل:

– من الضغط المائي إلى الضغط الجغرافي:

جاء افتتاح سد النهضة الإثيوبي الكبير رسمياً في سبتمبر 2025، دون التوصل إلى اتفاق ثلاثي ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل، ليغلق الباب أمام الورقة التي راهنت عليها القاهرة طوال سنوات التفاوض: تعليق التقدم في بناء السد على تنازلات إثيوبية بشأن إدارة المياه. وبانتفاء هذه الورقة، لم تتخل مصر عن هدفها الاستراتيجي، بل نقلت نقطة الضغط من الملف المائي ذاته إلى البنية اللوجستية والاتصالية التي يعتمد عليها الاقتصاد الإثيوبي: الموانئ وطرق التجارة ومنافذ الوصول البحري. هذا التحول لا يحل النزاع الأصلي حول مياه النيل، لكنه يغيّر جذرياً الأرضية التي يُدار عليها هذا النزاع، إذ يمنح القاهرة أدوات ضغط جديدة أكثر مرونة وأقل ارتباطاً بجدول زمني تفاوضي محدد.

هندسة التطويق: من جيبوتي إلى أسمرا فمقديشو:

لا يمكن فهم مذكرة التفاهم البحرية بين مصر والصومال في يوليو 2026 بمعزل عن سلسلة الاتفاقيات التي سبقتها: محطة الحاويات والمنطقة اللوجستية في ميناء دوراليه بجيبوتي (ديسمبر 2025)، واتفاقيات النقل البحري والموانئ والبنية التحتية مع إريتريا (مايو 2026). بتجميع هذه الاتفاقيات الثلاثة معاً، تكون مصر قد أقامت أدوات تعاون بحري وموانئ فعلية مع الدول الثلاث التي تمر عبرها الغالبية العظمى من التجارة الخارجية الإثيوبية، في نمط تراه أديس أبابا، وتصفه صراحة عبر متحدثها الرسمي، محاولة تطويق مقصودة، بينما تنفي القاهرة أي نية عدائية وتؤطر هذا التحرك بلغة الشراكة الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. وسواء وُصف هذا النمط بالتطويق أو بالتحوط الاستراتيجي المشروع، فإن النتيجة الموضوعية واحدة: تراجع هامش المناورة الإثيوبي في البحث عن منفذ بحري بديل لا يمر عبر شبكة النفوذ المصري المتصاعد.

الغموض الأمريكي: احتواء أم بناء إطار أوسع؟

تعكس جولة مسعد بولس على مصر والصومال وإريتريا اهتماماً أمريكياً متجدداً بالقرن الأفريقي، لكن طبيعة هذا الاهتمام تظل ملتبسة. فمن جهة، يحمل قرار واشنطن في 1 يوليو 2026 بربط تجديد تفويض بعثة أوسوم بإنهاء اعتمادها على الدعم اللوجستي الأممي إشارة إلى ضغط أمريكي مباشر لإعادة هيكلة كلفة الأمن الجماعي في الصومال بما يخفف العبء المالي الأممي، وربما يفتح الباب أمام دور أكبر لشركاء إقليميين، وعلى رأسهم مصر التي تملك حضوراً عسكرياً يتجاوز حصتها الرسمية في البعثة. ومن جهة أخرى، لا تتوفر مؤشرات كافية على أن واشنطن تنسّق فعلياً إطاراً أمنياً إقليمياً متكاملاً يجمع مصر وإريتريا والصومال، بقدر ما تبدو تحركاتها أقرب إلى إدارة تفاعلية لملفات متفرقة (مكافحة الإرهاب، حماية الملاحة، احتواء تداعيات حرب السودان) دون رؤية استراتيجية شاملة معلنة.

حدود شبكة التنسيق المصرية:

رغم أن مشاورات القاهرة تعكس رغبة مصرية واضحة في بناء شبكة تنسيق مرنة مع الصومال وإريتريا وواشنطن، فإن هذه الشبكة تبقى محكومة بحدود بنيوية. فمصالح إريتريا لا تتطابق كلياً مع مصالح مصر والصومال في كل الملفات، وتحكمها اعتبارات إقليمية خاصة بعلاقتها المعقدة مع إثيوبيا. كما أن وصف بعض التحليلات الإقليمية (مثل مجلة أديس ستاندارد الإثيوبية) لهذا التقارب بأنه “محور قوة” ناشئ، قادر على الضغط على إثيوبيا من جبهات دبلوماسية وعسكرية واقتصادية متعددة، وإن كان يعكس القلق الإثيوبي أكثر مما يعكس واقعاً مؤسسياً مكتملاً، يشير إلى أن استمرار هذا المسار قد يدفع أديس أبابا نحو مزيد من التصلب بدل التفاوض، بما يرفع منسوب الاستقطاب الإقليمي بدل أن يحتويه.

الفكرة المحورية:

لم تعد أدوات مصر في مواجهة إثيوبيا مرتبطة حصراً بمفاوضات سد النهضة المتعثرة؛ بل انتقلت إلى بناء شبكة تحكم فعلية في نقاط الوصول البحري الثلاث الرئيسية لإثيوبيا (جيبوتي، إريتريا، الصومال). وهذا التحول، وإن منح القاهرة أوراق ضغط أكثر مرونة، يحمل في الوقت نفسه مخاطر تعميق الاستقطاب الإقليمي بدل حل النزاع الأصلي حول مياه النيل.

خلاصات

تعكس مشاورات القاهرة في يوليو 2026 حلقة أخيرة في مسار مصري متصاعد منذ أواخر 2025، هدفه إعادة بناء أدوات الضغط الاستراتيجي تجاه إثيوبيا بعد أن أغلق افتتاح سد النهضة الباب أمام ورقة التفاوض المائي التقليدية.

نجحت القاهرة في إقامة أدوات تعاون بحري وموانئ فعلية مع جيبوتي وإريتريا والصومال، الدول الثلاث التي تمر عبرها الغالبية العظمى من التجارة الخارجية الإثيوبية، بما يمنحها نفوذاً جغرافياً واقتصادياً متجدداً يعوّض تراجع نفوذها المائي.

تصف أديس أبابا هذا النمط صراحة بأنه سياسة تطويق مقصودة، بينما تؤطره القاهرة بلغة الشراكة والاستقرار الإقليمي؛ وبصرف النظر عن التوصيف، فإن الأثر الموضوعي هو تضييق هامش المناورة الإثيوبي في البحث عن منفذ بحري مستقل.

يبقى الدور الأمريكي في هذه الشبكة ملتبساً بين الاحتواء التفاعلي لملفات متفرقة وبين بناء إطار أمني إقليمي أوسع، وإن كان قرار واشنطن بشأن تمويل بعثة أوسوم يشير إلى ضغط عملي لإعادة توزيع أعباء الأمن الجماعي بما قد يعزز الدور المصري تحديداً.

يظل نجاح هذا المسار المصري مرهوناً بقدرته على تحويل التنسيق السياسي إلى استقرار إقليمي فعلي، لا إلى تعميق الاستقطاب بين محور مصري إريتري صومالي متصاعد وإثيوبيا التي تنظر إلى هذه الشبكة بوصفها تهديداً وجودياً لطموحها التنموي في الوصول إلى البحر.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات