بقلم: د. حافظ إبراهيم عبدالنبي
في أزمنة التحولات الكبرى، لا تُقاس الشرعية فقط بما تحمله المؤسسات من أسماء وصفات، ولا بما يصدر من قرارات ومراسيم، وإنما تصبح مسألة الشرعية نفسها موضع سؤال سياسي وقانوني وشعبي: من يمثل الناس؟ ومن يستمد سلطته منهم؟ ومن يستطيع أن يحول ادعاء التمثيل إلى مؤسسات وخدمات وأمن وسلام؟
ومن هنا تكتسب نيالا اليوم دلالتها السياسية. فالمشهد الجماهيري الذي شهدته المدينة، وما حمله من حضور وتعبير سياسي، لا ينبغي النظر إليه بوصفه مجرد حشد عابر أو مناسبة تنتهي بانفضاض الجماهير، وإنما باعتباره رسالة سياسية تستحق القراءة في سياق الصراع الأوسع حول مستقبل الدولة السودانية ومصادر شرعيتها. وفي الوقت نفسه، فإن أي حشد جماهيري، مهما اتسع، لا يمكن أن يكون وحده بديلًا عن الإرادة الشعبية الحرة التي تُقاس في نهاية المطاف عبر مؤسسات سياسية ومدنية وانتخابات وآليات تمثيل موثوقة.
وهنا تتجلى المفارقة السياسية بوضوح. فالشرعية ليست لقبًا يُمنح، ولا منصبًا يُورث، ولا خطابًا سياسيًا يكفي تكراره حتى يتحول إلى حقيقة. الشرعية، في معناها الأصيل، علاقة بين السلطة والمجتمع، ومصدرها إرادة الناس ورضاهم وقدرتهم على التعبير الحر عن خياراتهم. ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة مشهد نيالا؛ فخروج الجماهير إلى الساحات يحمل دلالة سياسية تتجاوز المناسبة نفسها، ويضع قضية الشرعية في قلب النقاش السوداني: من يستمد مشروعيته من الناس، ومن يبحث عنها بعيدًا عنهم؟
إن السودان، بعد كل ما دفعه شعبه من أثمان باهظة، يحتاج إلى مفهوم جديد للشرعية لا يقوم على احتكار الدولة أو القوة، وإنما على إرادة السودانيين، والمواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة، والانتقال إلى حكم مدني يختاره الشعب بحرية. فالسيطرة بالقوة لا تصنع وحدها شرعية، كما أن الاعتراف الخارجي، مهما كانت أهميته الدبلوماسية والقانونية، لا يستطيع أن يكون بديلًا عن قبول المواطنين وحقهم في اختيار من يحكمهم.
لهذا فإن السؤال الحقيقي الذي تطرحه نيالا يتجاوز الأشخاص والمناصب والتحالفات: ما مصدر السلطة التي نريدها للسودان القادم؟ هل تستمد وجودها من القوة والسلاح، أم من مؤسسات ورثتها من حقب سابقة، أم من إرادة السودانيين أنفسهم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد طبيعة الدولة التي ستخرج من تحت ركام هذه الحرب.
لقد أثبت تاريخ السودان أن أزمة البلاد لم تكن يومًا مجرد أزمة في تغيير الأشخاص، وإنما أزمة في بنية الدولة نفسها وفي العلاقة بين المركز والأطراف، وفي توزيع السلطة والثروة، وفي قدرة الدولة على الاعتراف بتنوع مجتمعها وإشراك جميع السودانيين في صناعة مستقبلهم. ولذلك فإن بناء السودان الجديد لا ينبغي أن يكون استبدال مركز بمركز، ولا إحلال نخبة محل أخرى، وإنما تأسيس عقد سياسي جديد يجعل المواطن أساس الدولة، ويضع المواطنة المتساوية فوق الانتماءات الضيقة، ويجعل القانون فوق الجميع.
ومن هنا تصبح نيالا أكثر من مجرد مدينة في غرب السودان؛ تصبح مساحة يُطرح من خلالها أحد أهم أسئلة المرحلة: أين يقف الشعب، وكيف تتحول إرادته إلى عقد سياسي حر ومؤسسات شرعية ومستدامة؟ فالمشهد الجماهيري قد يقدم مؤشرًا على اتجاه سياسي لدى المشاركين فيه، لكن الاختبار الحقيقي لأي مشروع سياسي هو قدرته على حماية المدنيين، وتحقيق الأمن، وتقديم الخدمات، واحترام الحقوق والحريات، ثم الاحتكام إلى إرادة المواطنين الحرة.
إن السودان الذي نريده لا ينبغي أن ينتقل من احتكار للسلطة إلى احتكار جديد، ولا من مركز يفرض إرادته على الهامش إلى مركز آخر يعيد إنتاج التجربة نفسها. نريد دولة تتسع للجميع، تقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون والتوزيع العادل للسلطة والثروة، وتحترم التنوع التاريخي والاجتماعي والثقافي للسودان، وتفتح الطريق أمام حكم مدني ديمقراطي يختاره السودانيون بإرادتهم الحرة.
ولهذا فإن رسالة نيالا، في معناها الأوسع، ليست موجهة إلى طرف واحد، وإنما إلى كل من يتطلع إلى حكم السودان: الشرعية لا تكتمل بالشعارات، ولا تُختصر في الاعتراف الخارجي، ولا تضمنها القوة العسكرية؛ وإنما تترسخ حين يشعر المواطن بأنه شريك في الدولة، وأن صوته مسموع وحقوقه مصونة وكرامته محفوظة.
وفي النهاية، ستظل الكلمة الفصل للسودانيين أنفسهم. فالدولة التي يبحث عنها شعبنا بعد هذه الحرب ليست دولة الغلبة، وإنما دولة المواطنة؛ وليست دولة الامتيازات التاريخية، وإنما دولة الحقوق المتساوية؛ وليست دولة المركز والهامش، وإنما وطنًا يتساوى فيه الجميع.
ومن نيالا يُطرح السؤال الذي ينبغي أن يسمعه الجميع: من أين تأتي الشرعية؟ والجواب الذي يجب أن يؤسس له السودان القادم هو أن الشرعية المستدامة تبدأ من إرادة الشعب، وتتجسد في مؤسسات مدنية حرة، ويحميها القانون.
