مواقف ومشاهد. المجاعة في السودان بين الحقيقة والنكران.
بقلم: عبدالله اسحق محمد نيل.
دأبت جماعة الإخوان المسلمين وحكومة الأمر الواقع المرتبطة بالقوات المسلحة في بورتسودان، على نكران الواقع، والحديث كما لو أن السودان لا يعاني شيئاً، بينما تؤكد كل المؤشرات على أرض الواقع الميداني أن السودان يواجه أكبر أزمة إنسانية ومجاعة في تاريخه الحديث.
إن المجاعة اليوم ليست ادعاءً سياسياً، ولا شعاراً إعلامياً، بل هي حقيقة يعيشها المواطن في بيته، وفي السوق، وفي معسكرات النزوح واللجوء.
لقد تضافرت عدة أسباب لصناعة هذه الكارثة. أولها شح الأمطار وعدم هطولها في كثير من الأقاليم والولايات والمحليات، بسبب ظاهرة النينيو والتغير المناخي واتساع التصحر. وثانيها الحرب التي تدور منذ أكثر من ثلاث سنوات، والتي أدت إلى نزوح ولجوء أعداد كبيرة من المواطنين من مناطق الإنتاج، وتعطيل الزراعة، وتدمير البنية التحتية. وثالثها تعطيل وصول المساعدات الإنسانية القادمة من الخارج، والاستيلاء على كثير منها، وضرب وتدمير المعابر والطرق التي كان يمكن أن تنقذ الأرواح.
ومع كل هذا الوضوح، تخرج حكومة بورتسودان لتنفي وجود مجاعة، وتقول إن الوضع الغذائي مطمئن، وإن المخزون الاستراتيجي يكفي، وإن بيانات الدول والمنظمات هدفها سياسي، وإن الهدف منها إنقاذ قوات الدعم السريع من المواجهة الحتمية. هذا ما جاء في بيان وزارة الخارجية والتعاون الدولي في 27 أكتوبر 2026، الذي اتهم بعض الدول والمنظمات بتوظيف الأوضاع الإنسانية لفرض شروط سياسية تحت مسمى الهدنة الإنسانية.
ولكن الحقيقة لا تُمحى بالبيانات. فقد أقرت حكومة السلام الانتقالية وتحالف السودان التأسيسي بوجود المجاعة، ووجها نداءً إلى كل دول العالم وأصحاب الضمير الإنساني ومحبي السلام، لدعم المواطنين السودانيين بالمواد الإغاثية الضرورية، وترتب الآن لعقد مؤتمر للمانحين لمواجهة التحديات الماثلة وتوفير الغذاء والدواء.
ولم يكن هذا النداء وحده، فقد أصدر أكثر من خمسة وثلاثين دولة بياناً مشتركاً في 26 أكتوبر 2026، من بينها الاتحاد الأوروبي وأمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وأستراليا وغيرها، أكدت فيه أن السودان يشهد تدهوراً مقلقاً في أمنه الغذائي، وأن خطر حدوث مجاعة في الأشهر المقبلة يتطلب تحركاً عاجلاً، وأنه لا مجال لإضاعة الوقت لإنقاذ الأرواح ومنع وقوع المجاعة.
وجاء في البيان أن التقديرات تشير إلى أن 19.5 مليون شخص، أي ما يعادل 41% من سكان البلاد، يعانون من مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم 5 ملايين يواجهون مستويات طارئة. ومن دون تحرك فوري، فإن عدد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد الشديد قد يتجاوز 825 ألف طفل. كما يُتوقع أن يتضاعف عدد المناطق التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي، والتي قُدر عددها مبدئياً بـ 14 منطقة.
وأكد البيان أن النزاع هو العامل الرئيسي وراء أزمة الجوع، حيث أدى إلى نزوح ملايين الأشخاص، وتدمير البنية التحتية الحيوية، وتعطيل خدمات الرعاية الصحية وإنتاج الغذاء وسلاسل الإمداد والأسواق. ويتفاقم الوضع بسبب العرقلة المنهجية لوصول المساعدات الإنسانية، وتأثيرات ظاهرة إل نينيو التي تسببت في انخفاض معدل هطول الأمطار وزيادة الجفاف في أكثر من نصف مناطق السودان.
ودعا البيان أطراف النزاع إلى إزالة جميع العوائق التي تعترض المساعدات الإنسانية، والسماح بالوصول الإنساني الكامل والآمن والسريع ودون عوائق، وضمان حماية العاملين في المجال الإنساني، والسماح بالعمليات الإنسانية عبر جميع خطوط التماس والمعابر الحدودية، بما في ذلك الوصول الجوي إلى دارفور، والامتناع عن استهداف البنية التحتية المدنية، بما في ذلك الأنظمة الزراعية والغذائية.
إن المفارقة المؤلمة أن من ينكر المجاعة يجلس في مكاتب مكيفة، بينما من يدفع ثمنها هو المواطن البسيط في دارفور وكردفان والجزيرة والخرطوم، الأم التي لا تجد لبناً لطفلها، والمزارع الذي فقد أرضه، والنازح الذي فقد بيته وزرعه.
إن نكران المجاعة ليس مجرد اختلاف في التقدير، بل هو جريمة أخلاقية وإنسانية، لأنه يعطل الإغاثة، ويؤخر الاستجابة، ويترك ملايين السودانيين يواجهون الموت جوعاً.
إننا اليوم أمام واجب أخلاقي وقانوني: الاعتراف بالمجاعة أولاً، ثم فتح كل المعابر والطرق للمساعدات دون شروط سياسية، ثم محاسبة كل من عرقل وصول الغذاء والدواء إلى المحتاجين.
فالجوع لا يعرف انتماءً سياسياً، والمجاعة لا تفرق بين هذا وذاك. ومن ينكرها اليوم، سيتحمل أمام التاريخ وأمام الله مسؤولية كل روح أُزهقت جوعاً وهي تنتظر لقمة تسد رمقها.


