بقلم: عبدالله اسحق محمد نيل
في قلب الحرب وعند ذروة انسداد الأفق السياسي، أن تعقد القوى المدنية المتحدة قمم ملتقاها التفاكري الأول في نيالا لتقييم أدائها خلال عامين، فذلك يتجاوز كونه نشاطا تنظيميا معتادا ليصبح رسالة سياسية بليغة مفادها أن إدارة السودان ومستقبل حكمه لا يصاغ في فنادق الخارج ولا في غرف التضليل الإعلامي، بل يصاغ في الداخل وبين أهله وفي المدن التي عانت من ويلات الحرب أكثر من غيرها. ولادة قمم لم تكن وليدة الصدفة ولا ردة فعل عابرة، بل جاءت كمحصلة موضوعية لفشل النخب المركزية التي احتكرت السلطة والثروة منذ الاستقلال وأخفقت في بناء دولة المواطنة المتساوية، فكان لابد من تحالف عريض يقطع مع احتكار الخرطوم للقرار السياسي ويضم في داخله القوى الشعبية وحركات الكفاح المسلح والإدارات الأهلية والشباب والمرأة والطرق الصوفية ليؤكد أن العمل السياسي ليس امتيازا حزبيا ضيقا بل حق عام جربت فيه أحزاب المركز لسبعين عاما ولم تنتج سوى الحروب والانقسام.
إن شعار الملتقى الانتصار يبدأ بالتنظيم يضع الإصبع على الجرح الحقيقي للأزمة السودانية. فإذا كان الانتصار العسكري ممكنا بالبندقية كما قال الشهيد البيشي، فإن الهزيمة الحقيقية كانت دائما تنظيمية وسياسية، حيث يأتي الخذلان من الساسة لا من الميدان. ولذلك فإن إقدام قمم على تقييم تجربة عامين من أغسطس 2024 إلى أغسطس 2026 بشفافية ونقد ذاتي وتجويد للأداء يمثل سابقة في العمل السياسي السوداني لم تعتدها القوى التي تهرب من المراجعة إلى تبرير الفشل.
الحضور الواسع الذي شهدته نيالا من ولايات دارفور وكردفان والشرق والوسط ومشاركة قيادات حكومة السلام الانتقالية يؤكد أن مركز الثقل السياسي قد انتقل فعليا، ولم تعد الخرطوم وحدها هي من يرسم مصير الهامش، بل أصبح للهامش صوته وقراره وبرنامجه الذي يصيغه أبناؤه الأحرار. وهذا التحول الداخلي يحمل بعدا خارجيا مهما، فالمجتمع الدولي والإقليمي الذي تعامل طويلا مع السودان عبر بوابة النخبة المركزية أصبح مضطرا للتعامل مع واقع جديد تقوده قوى ميدانية ومدنية لها شرعية الأرض والوجود.
تدرك قمم أن الحرب الراهنة ليست حرب جنرالين كما يحاول إعلام النظام البائد تسويقها، بل هي حرب بين مشروعين، مشروع الدولة القديمة القائم على التهميش والهيمنة ومشروع السودان الجديد القائم على العدالة والمساواة في توزيع السلطة والثروة. ومن هنا فإن رؤيتها لوقف الحرب لا تقوم على تسويات فوقية تعيد إنتاج الأزمة كما قال القيادي مكين حامد تيراب حين أكد أنه لن يقبل أي تسوية سياسية بعد الآن، بل تقوم على معالجة الجذور التاريخية للصراع.
أما في البعد الاقتصادي فإن السودان الذي يموت أهله جوعا بينما يمتلك ذهب دارفور وصمغ كردفان ونفط كردفان ودارفور وزراعة الجزيرة وثروات البحر الأحمر يكشف حجم النهب المنظم الذي مارسته أقلية المركز لعقود. وما طرحه رئيس قمم هارون مديخير من أولويات التعليم والصحة والمياه والأمن ليس خطابا خدميا بسيطا بل هو جوهر الاقتصاد الحقيقي الذي يمس حياة المواطن بدلا من اقتصاد الريع والمضاربات والعمولات الذي أدارته بورصة الخرطوم المتهالكة.
إن إمكانية التغيير اليوم تبدو أكثر واقعية من أي وقت مضى لأن أدواته باتت مكتملة، فهناك قوة عسكرية على الأرض تحمي المشروع ممثلة في قوات الدعم السريع وقوات الكفاح المسلح والجيش الشعبي، وهناك حكومة سلام انتقالية تملك الشرعية الشعبية، وهناك حاضنة مدنية واسعة هي قمم وتحالف تأسيس بكل مكوناته السياسية والمدنية، وهو مثلث لم يتوفر لأي ثورة سودانية سابقة. ولذلك فإن تكريم الفريق محمد حمدان دقلو ونائبه عبد الرحيم دقلو في ختام الملتقى لم يكن مجاملة بروتوكولية بل كان اعترافا بدور حاسم في حماية هذا المسار من الانكسار.
ما جرى في نيالا هو تدشين لمرحلة الانتقال من شعارات الثورة إلى استحقاقات بناء الدولة، ومن تضحيات القتال إلى تضحيات البناء والتنظيم. فتحية لقادة قمم شهدائها وأحيائها ومفقوديها، وهي تؤكد أن التنظيم هو بداية الانتصار وأن طريق السودان الجديد يبدأ من هنا من نيالا.

