نحن ومصر من إعتصام الموز الى جمهورية الموز !!

0
18
نحن ومصر من إعتصام الموز الى جمهورية الموز !!
نحن ومصر من إعتصام الموز الى جمهورية الموز !!

تحليل سياسي : محمد لطيف

منذ سنوات طويلة أطلقت عبارة نقابة المدافعين عن مصر .. وكنت اعني بها الذين يدافعون عن مصالح مصر في السودان .. وما اكثرها وما أقلهم .. وذلك بالضرورة خصما على مصالح بلادهم .. ورغم ذلك لم يدر بخلدنا أن هذه النقابة يمكن أن يتسع نطاقها حتى تشمل السلطة السياسية القابضة على زمام الأمور في بلادنا .. ولعلنا نذكر حكاية جمهوريات الموز في أمريكا الوسطى والكاريبي على أيام الحرب الباردة حين أصبحت تلك الجمهوريات تحت السيطرة الكاملة للمخابرات المركزية الأمريكية عبر مجموعة من الشركات الأمريكية التى تدير إقتصادات تلك الدول بالهيمنة على مواردها فيما ترزح شعوبها تحت الفقر.. أما على صعيد السياسة فقد أصبحت حكومات تلك الدول مجرد تروس تدور في فلك السياسة الأمريكية .. فما هي العلاقة ..؟

من إعتصام الموز الى حالة جمهوريات الموز :-

منذ مخاطبة الدكتورعبدالله حمدوك رئيس الوزراء آنذاك النخبة المصرية من منصة مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية مطالبا بطرح المسكوت عنه في العلاقات السودانية المصرية بما في ذلك وضع مثلث حلايب .. صدر التوجيه من قمة المخابرات المصرية للفريق البرهان أن هذا الحمدوك يجب أن يرحل .. والمفارقة أن خطوات تنفيذ ذلك التوجيه قد بدأت بما عرف بإعتصام الموز الشهير الذي خاطبه ذات دعاة الحرب اليوم تحت شعارهم الشهير .. الليلة ما بنرجع إلا البيان يطلع .. حتى (طلع) البيان في 25 اكتوبر 2021 معلنا عن الإنقلاب العسكري على الحكومة المدنية .. ومن تلك اللحظة أصبحت علاقة حكومة الإنقلاب بمصر صورة طبق الأصل من علاقة جمهوريات الموز بالمخابرات المركزية الأمريكية ثم إكتملت الحلقة الشريرة بإندلاع حرب 15 ابريل وإستمرارها حتى اليوم …وأصبحت المصالح المصرية هي المقدمة على مصلحة الشعب السوداني وبلاده !

كيف نقرأ الموقف من القصف المصري ؟:-

حين وقع القصف الجوي الأول على مواقع التعدين في شمال السودان وسقط مئات المعدنين السودانيين ضحايا لذلك القصف .. وفيما كان السودانيون ينتظرون موقفا من السلطة السودانية على علاتها ولو بمجرد إستفسار دبلوماسي للدولة المعتدية .. فوجئ الناس برأس السلطة يطل عليهم محملا المسئولية للضحايا لا للمعتدين محذرا من تجاوز الحدود ..!! ثم جاء القصف الأخير قبل يومين وكان رد الفعل أسوأ من سابقه .. ففيما كان الضحايا ما يزالون تحت الأنقاض أو هائمون بين الجبال .. كان رأس السلطة في الخرطوم يصافح سفير مصر الجديد ويتبادل معه الإبتسامات .. ومتزامنا مع ذلك كانت خارجية السلطة في الخرطوم متحمسة لإصدار البيانات المنددة بالهجوم الحوثي على السعودية ومعزية في الضحايا هناك ..دون أن تقف لحظة للنظر في مصير مواطنيها الذي حصدتهم القاصفات المصرية .. بل لم يخلو المشهد من أقلام وأصوات خرجت لتعزز المزاعم المصرية بأن العمليات التى تقوم بها هي في داخل حدودها لحماية أراضيها من المعتدين ..ولكن .. وكحال جمهوريات الموز .. فحين تصل مخابرات دولة أجنبية الى مخدع رأس السلطة .. يصبح لا قيمة للحديث .. لذا نوجه سهمنا لدحض مزاعم المعتدي عل بعض الغافلين يهتدون ..!

أين وقع القصف الجوي ؟:-

ولنقف تحديدا عند جبل العقيدات أو العيقاد فهذا الموقع يقع عند خط العرض 21.8200° شمالاً

و خط الطول: 34.1100° شرقا .. فماذا تعني هذه الإحداثيات قانونياً وجغرافياً.. ؟ إذا كانت هذه الإحداثيات تمثل موقع المنجم الذي قُصف، فإن النقطة تقع عند خط عرض 21.82° شمالاً، أي نحو 20 كيلومتراً جنوب خط العرض 22° شمالاً. . فهذا يعني أنها تقع جنوب خط الحدود المصرية الذى تعترف به مصر نفسها .. وجبل العقيدات الذى يقع في شمال ولاية نهر النيل في السودان .. هو منطقة التعدين التي يعمل فيها عدد كبير من المعدنين التقليديين منذ سنوات طويلة ومن كل أنحاء السودان .. فما رأي الذين يدعمون المزاعم المصرية ..؟

ماذا يعني مفهوم السيادة :-

إذا كانت الخرائط والتيبوغرافيا والخبراء يحسمون دون جهد أن المنطقة المستهدفة منطقة سودانية وداخل حدودها مشمولة بسيادتها ..أو هكذا يفترض ..فإن السيادة ليست مجرد إعلان عن أن الأرض سودانية .. بل تعني  السيادة  قدرة الدولة على حماية من يعيش عليها، وتنظيم ما يُستخرج من باطنها، وتطبيق القانون فيها، ومساءلة من يعتدي على حقوق مواطنيها .. فما الذي ينبغي أن تفعله مؤسسات الدولة السودانية ..؟ .. إذا بدأنا بالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية فالمطلوب هو إقامة وجود أمني نظامي ودائم في مناطق السودان الحدودية ..  ومراقبة المعابر ومسارات التهريب، ومنع الجماعات المسلحة من فرض الجبايات أو السيطرة على مواقع التعدين .. فليس بالضرورة الدخول في مواجهة عسكرية مع مصر .. بل المطلوب منع الفراغ الأمني الذي يعرّض المواطنين للخطر .. ثم ننتقل للدور الدبلوماسي ونعني وزارة الخارجية ..فالمطلوب منها في هكذا أوضاع .. أن تحدد الإحداثيات الدقيقة لمواقع الضربات، والتحقق مما إذا كانت داخل الأراضي السودانية، ثم مطالبة القاهرة بإيضاحات رسمية اذا لزم الامر. . وإذا ثبت وقوع هجوم داخل السودان دون موافقته .. فعلى الحكومة معالجة الأمر عبر القنوات الدبلوماسية والقانونية .. لا الاكتفاء بالتصريحات العامة .. ولكن ..ّ

هل قامت الحكومة بواجبها ؟ :-

ونقول الحكومة تجاوزا لأننا بصدد الحديث عن ما ينبغي أن تقوم به أية حكومة طبيعية .. حتى بغض النظرعن شرعيتها من عدمها .. فالمؤسف أن الملاحظ بوضوح ضعف الوجود الرسمي إن لم يكن غيابه

في مناطق التعدين الحدودية .. وفقا لإفادات متواترة لشهود عيان ..أما في حالات تعرض تلك المناطق لإعتداءات كما يحدث الآن فحدث ولا حرج ..ولحسم ذلك ووفقا لخبراء فأربعة خطوات كان ينبغي أن تقوم بها الحكومة في مثل هذه الحالات .. أولها صدور بيان رسمي يحدد موقع الغارات وعدد الضحايا والجهة المنفذة وفق ما تثبته التحقيقات .. ثم إعلان نتائج التحقيق في العمليات السابقة وما إذا كانت هناك اتصالات رسمية مع القاهرة .. ثم نشر خطة أمنية وإدارية لمناطق التعدين الحدودية تشمل حماية العاملين ومكافحة السلاح والتهريب والجبايات غير القانونية .. ثم توضيح مصير عائدات الذهب والجهات التي تدير مواقع الإنتاج وتتحصّل منها الرسوم .. ولسنا في حاجة لكبير جهد لنكتشف أن هذه الخطوات تتأسس كل واحدة منها على التى سبقتها .. وبما أن الحكومة لم تصدر حتى الآن مجرد بيان بالأحداث .. فلا معنى لأن ننتظر منها الخطوات التالية ..وإلا أصبحنا كمن أضاع قرشا في شارع مظلم ثم ذهب  يبحث عنه ( تحت عمود النور ) كما تقول النكتة ..!!