الرئيسيةمقالاتويلتون بارك… حين نزعت بريطانيا احتكار الخطاب الأخلاقي من سلطة بورتسودان

ويلتون بارك… حين نزعت بريطانيا احتكار الخطاب الأخلاقي من سلطة بورتسودان

تُنّة رجب

في الوقت الذي يتسارع فيه الحراك السياسي الإقليمي والدولي لإيقاف الحرب في السودان، وتتكثف اللقاءات والمؤتمرات الهادفة إلى رسم ملامح تسوية سياسية جديدة، تبدو سلطة بورتسودان أمام معضلة متزايدة في إقناع المجتمع الدولي بروايتها للحرب. فقد جاء هجوم مستشار رئيس مجلس السيادة، أمجد فريد، على دعوة بريطانيا لقيادات من تحالف “تأسيس” للمشاركة في مؤتمر ويلتون بارك، متزامناً مع تصاعد الضغوط الدولية على السلطة نفسها، بعد العقوبات الأمريكية التي استندت إلى اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية خلال النزاع، وهو تزامن أضعف الرسالة السياسية التي حاول إيصالها.
فبينما انشغل الخطاب الرسمي بإدانة استضافة خصومه في محفل دولي، كانت مراكز القرار الدولية تتحرك في اتجاه مختلف تماماً، يتمثل في توسيع دائرة الاتصالات مع مختلف الأطراف السودانية المؤثرة، باعتبار أن أي تسوية واقعية لن تقوم على استبعاد الفاعلين، وإنما على إشراكهم في ترتيبات إنهاء الحرب.
ومن هنا تبدو قضية مؤتمر ويلتون بارك أقل أهمية من التحول السياسي الأكبر الذي تشهده الأزمة السودانية. فالمشهد لم يعد يدور حول الاعتراف بهذا الطرف أو ذاك، وإنما حول البحث عن صيغة توقف الحرب وتعيد تشكيل العملية السياسية، وهو ما يفسر اتساع نطاق اللقاءات والمشاورات التي تشارك فيها قوى متعددة داخل السودان وخارجه.
وفي هذا السياق، يثير تصريح أمجد فريد مفارقة سياسية واضحة. إذ يصعب الحديث عن احتكار الخطاب الأخلاقي في وقت تواجه فيه السلطة نفسها ضغوطاً واتهامات دولية ثقيلة. فالعالم لم يعد يتعامل مع الأزمة السودانية بمنطق الرواية الأحادية، وبات ينظر إلى الحرب باعتبارها صراعاً ترتبت عليه انتهاكات تستوجب المساءلة، مع اختلاف طبيعتها ومسؤوليات أطرافها.
ولهذا فإن محاولة تصوير مشاركة تحالف “تأسيس” في مؤتمر دولي باعتبارها تناقضاً أخلاقياً في الموقف البريطاني، لم تحقق الأثر السياسي المتوقع، لأن الأنظار كانت تتجه في الوقت ذاته إلى التطورات المرتبطة بالضغوط الدولية المفروضة على سلطة بورتسودان، وهو ما جعل الخطاب يبدو منفصلاً عن السياق الدولي الأوسع.
كما أن الحراك الجاري اليوم يؤكد أن المجتمع الدولي تجاوز مرحلة الاكتفاء بدعم طرف واحد، واتجه إلى إدارة الأزمة عبر مسارات تفاوضية أكثر شمولاً، تستند إلى إشراك القوى القادرة على التأثير في مجريات الحرب، بصرف النظر عن حجم الخلافات السياسية معها.
ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد: لماذا دُعيت قوى بعينها إلى مؤتمر ويلتون بارك؟ ولكنه أصبح: كيف ستتعامل سلطة بورتسودان مع واقع سياسي جديد تتزايد فيه المبادرات الرامية إلى وقف الحرب، بينما تتراجع فاعلية خطاب يقوم على نفي شرعية الخصوم أكثر من تقديم رؤية لإنهاء الصراع؟
في السياسة، كثيراً ما تتحول اللحظات التي يُراد منها إحراج الخصوم إلى لحظات تكشف أزمة أصحابها. وربما كان هذا هو الدرس الأبرز الذي أفرزه تزامن الهجوم على مؤتمر ويلتون بارك مع اتساع الضغوط الدولية على سلطة بورتسودان، في وقت تتحرك فيه المنطقة والعالم نحو البحث عن تسوية سياسية تبدو، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، أكثر حضوراً من رهانات الحسم العسكري.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات