في الوقت الذي ينصرف فيه الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى تعزيز سلطانه، انفاذاً لتصورات إقليمية يراها المخرج الأخير لنظامه، تتسارع داخل السودان مظاهر انهيار لم تعد قابلة للإخفاء أو التجميل السياسي. محاولات تغبيش الرؤية حول تجذر الإسلام السياسي في مفاصل دولة تتآكل يوماً بعد يوم لم تعد تقنع أحداً، وتبرز المفارقة القاسية في انشغال سلطة الأمر الواقع في بورتسودان بتدابير سياسية لمواجهة تداعيات تصنيف جماعة الإخوان المسلمون وواجهاتها كمنظمة إرهابية، وفي اللحظة ذاتها تتسع فجوة الغياب الداخلي للدولة. تُستنزف الطاقة السياسية في معارك البقاء السلطوي وإعادة التموضع الإقليمي، بينما تكشف الحياة اليومية للمواطنين حقيقة مختلفة: تراجع سلطان الدولة، ومجتمع يُترك وحيداً في مواجهة المصائب.
يتجلى هذا التآكل في الارتفاع المتواصل لأسعار المحروقات، والانفلات غير المسبوق في تكاليف المعيشة، والانحدار الحاد في الخدمات العامة، وعلى رأسها الخدمات الصحية التي باتت عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الاستجابة. ومع غياب برامج الوقاية والصحة العامة تفشت الأمراض ونواقلها من بعوض وجرذان وحشرات وذباب، في مشهد يعكس انهيار البنية الحضرية نفسها، ثم جاء السقوط غير المظلي لقيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية ليؤكد أن الأزمة تجاوزت حدود الاقتصاد، واتخذت طابعاً وجودياً يمس قدرة الدولة على الاستمرار بوظيفتها الأساسية.
ولا حاجة هنا للتوقف عند التراجع الميداني لقوات سلطة الأمر الواقع والمليشيات المساندة لها في جبهات القتال الممتدة من دارفور وكردفان حتى النيل الأزرق، فالأزمة الأعمق تتكشف داخل المدن التي يُدعى الناس للعودة إليها، حيث تتآكل فكرة الدولة من الداخل بصمت أشد وطأة من ضجيج المعارك.
في هذا السياق يخرج بيان أهالي أمدرمان القديمة، الصادر في الثاني من أبريل 2026، بوصفه وثيقة اجتماعية وسياسية عالية الدلالة، تتجاوز حدود الشكوى الأمنية. البيان، الصادر باسم أحياء ودنوباوي وأبروف وبيت المال وحي العمدة، يكشف انتقال المواطنين من موقع المطالبة بالخدمات إلى موقع الاضطرار لتعويض الدولة نفسها.
حين يضطر السكان إلى تنظيم دوريات حراسة ذاتية لحماية منازلهم، فإن الأمر يتجاوز ارتفاع معدلات الجريمة، إنه إعلان صريح لانهيار العقد الاجتماعي الذي يقوم على احتكار الدولة للعنف المشروع مقابل توفير الأمن. يتحول المواطن من متلقٍ للحماية إلى صانعٍ لها، في لحظة تكشف الغياب العملي للدولة عن تفاصيل الحياة اليومية.
البيان تجنب اللغة السياسية والمحازبية، وخلا من أي تعبير قابل للتأويل الأيديولوجي، واعتمد لغة واقعية مباشرة: سرقات متكررة، غياب استجابة شرطية، وأقسام أمن قريبة بلا أثر فعلي. هذه المفارقة — حضور المؤسسات شكلياً وغيابها وظيفياً — تمثل إحدى أخطر مراحل تفكك الدول، حيث تتحول السلطة إلى بنية رمزية تتآكل قدرتها التنفيذية تدريجياً.
وفي الوقت الذي يستصرخ فيه الخطاب الرسمي المواطنين للعودة إلى مناطقهم، يرتفع صوت أمدرمان القديمة بالسؤال المعاكس: العودة إلى ماذا؟ إلى مدينة بلا أمن؟ إلى دولة لا تظهر إلا في بيانات السياسة وصراعات التصنيف الدولي؟
من هنا يتجاوز بيان أمدرمان القديمة كونه نداء استغاثة، إنه نص يكشف انتقال مركز الشرعية من السلطة إلى المجتمع. الناس لم يطلبوا امتيازات، وإنما سعوا إلى الحد الأدنى: تحقيق الأمن وصون الحياة اليومية، وهي مطالب يفترض أن تكون بديهية في أي دولة قائمة.
أخطر ما ينبه إليه هذا البيان أنه يضع الأزمة في موضعها الحقيقي: أزمة تمس معنى الدولة ذاته. أمدرمان القديمة كتبت شهادة على زمن تتحول فيه السلطة إلى مشروع سياسي معزول، بينما يحاول المجتمع، بإمكاناته المحدودة، أن يؤخر السقوط الكامل.
وفي لحظات كهذه لا يعود السؤال الأكثر إلحاحاً متعلقاً بكيفية تهدئة غضب الناس؟، وإنما بكيف استطاع المجتمع الدولي أن يواصل صمته كل هذا الوقت، رغم غياب الدولة واستمرار قهر الإنسان السوداني؟.

