أصوات السودانيين
في تقديم أنيق ومكثف، قدّم الأستاذ خالد عثمان الإعلامي محمد لطيف للحديث حول قضايا العدالة الانتقالية عبر منصة “كلوب هاوس”، ضمن فعالية نظمها صمود أستراليا بمنصة النادي السياسي السوداني – الجمعة 22- مايو، وسط نقاشات واسعة تناولت تجربة الانتقال السوداني وتعقيدات تفكيك دولة الحزب الواحد.
استهل محمد لطيف حديثه بتوجيه التحية إلى الشعب السوداني، مشيداً بتحالف صمود في مواجهة الحرب والانهيار، كما حيّا القيادات المدنية المجتمعة في نيروبي، معتبراً أن اجتماعها يمثل بارقة أمل جديدة لإعادة تنسيق صفوف القوى المدنية وفتح الطريق نحو حل سياسي شامل للأزمة السودانية.
واستعاد لطيف ذاكرته إلى منتصف تسعينيات القرن الماضي، متوقفاً عند مبادرة “إيقاد” التي طُرحت عام 1994 ورفضتها حكومة الإنقاذ آنذاك، قبل أن تظهر لاحقاً المبادرة المصرية – الليبية التي رأى أنها استهدفت تعطيل مشروع “إيقاد” الجاد. وأشار إلى أنه كتب منذ تلك الفترة عن ضرورة تفكيك دولة الحزب لصالح دولة الوطن، مؤكداً أن جوهر أزمة السودان يكمن في احتكار السلطة وإقصاء بقية السودانيين من إدارة دولتهم.
وقال لطيف إن لجنة إزالة التمكين نجحت بالفعل في كشف البنية العميقة للتمكين داخل مؤسسات الدولة، وفضحت شبكات المصالح والفساد التي بناها النظام السابق على مدى عقود، لكنها – في المقابل – لم تتمكن من تأسيس مشروع مؤسسي مستدام يضمن استمرار عملية التفكيك والإصلاح.
وأوضح أن اللجنة حققت اختراقاً مهماً في تفكيك شبكات النظام السابق واسترداد جزء من الأموال والأصول العامة، إلا أن التجربة لم تتحول إلى مشروع إصلاح قانوني ومؤسسي متكامل قادر على الصمود أمام التحولات السياسية.
وأشار إلى أن غياب البناء المؤسسي الحقيقي جعل التجربة عرضة للانهيار السريع عقب انقلاب 25 أكتوبر 2021، حيث استعادت شبكات النظام السابق نفوذها داخل مؤسسات الدولة، وعادت أجزاء واسعة من منظومة التمكين إلى مواقعها السابقة.
وأكد لطيف أن هذا التراجع لا يعني أن فكرة إزالة التمكين كانت خاطئة، بل يكشف ضعف البنية القانونية والتنظيمية التي أدارت المرحلة الانتقالية، وعدم القدرة على تحويل التفكيك من إجراء سياسي مؤقت إلى مشروع دولة دائم يتجاوز الأفراد واللحظة السياسية.
الطيب عثمان يوسف (الأمين العام للجنة تفكيك التمكين)
قدّم الطيب عثمان يوسف قراءة لتجربة لجنة تفكيك التمكين، موضحاً أنها كانت تجربة ضرورية وشجاعة في سياقها التاريخي، إذ ساهمت في كشف بنية التمكين داخل الدولة وتفكيك جزء كبير منها، لكنها ظلت في الوقت نفسه تجربة غير مكتملة من حيث البناء المؤسسي والاستدامة.
وأشار إلى أن المشكلة لم تكن في فكرة التفكيك ذاتها، بل في غياب التطوير المؤسسي والقانوني والإداري الذي يضمن استمرارية التجربة وتحولها إلى مشروع دولة دائم. واعتبر أن التحدي الأساسي تمثل في عدم بناء إطار مؤسسي قادر على حماية نتائج التفكيك من التراجع السياسي.
وأوضح أن اللجنة عملت عبر ثلاث مهام رئيسية: تفكيك بنية النظام السابق، واسترداد الأموال والأصول العامة، ومكافحة الفساد داخل مؤسسات الدولة. كما مرّ العمل بمراحل مراجعة متعددة تبدأ من اللجان الفرعية، مروراً بالسكرتارية واللجان المتخصصة، وصولاً إلى اللجنة العليا لاتخاذ القرار النهائي مع إتاحة حق المراجعة.
وأضاف أن أبرز التحديات تمثلت في صعوبة إيجاد كوادر محايدة بالكامل، وضخامة الملفات وتعقيدها، إضافة إلى تأثير بعض التحيزات الشخصية في بعض المسارات. كما أوضح أن الوضع القانوني للجنة وفق الوثيقة الدستورية لم يسمح باستدامة العمل أو تحويله إلى مؤسسة دائمة، مما أثر على استقرار العاملين فيها.
وبيّن أن اللجنة امتلكت صلاحيات محددة مثل القبض والحجز في حالات الضرورة المرتبطة بحماية مؤسسات الدولة ومنع التخريب أو تهريب الأصول، لكنها كانت تُمارس وفق ضوابط قانونية واضحة.
وفيما يتعلق بالعلاقة مع القضاء والنيابة، أوضح أن مشاركة هذه المؤسسات كانت قائمة، إلا أن طبيعتها نفسها كانت تحتاج إلى إصلاح، مما جعل وجود لجنة ثورية مستقلة ضرورة فرضتها ظروف المرحلة الانتقالية.
الدكتور الفاتح عمر
قدّم الدكتور الفاتح عمر قراءة نقدية لتجربة لجنة إزالة التمكين، معتبراً أن الإشكال لم يكن فقط في التنفيذ، بل في طبيعة البناء المؤسسي والقانوني الذي قامت عليه التجربة.
وتساءل عما إذا كانت اللجنة قد نجحت في تعريف نفسها للرأي العام بوصفها مؤسسة إصلاحية، أم أنها ظلت في نظر كثيرين جسماً سياسياً مرتبطاً بحالة الاستقطاب، مما أضعف قدرتها على بناء ثقة مجتمعية واسعة حول دورها.
وشدد على أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بإزالة الأشخاص فقط، بل بقدرة المشروع على تفكيك “بنية التمكين” ذاتها، بما تشمل من شبكات سياسية واقتصادية واجتماعية متجذرة داخل الدولة والمجتمع، وتحويل ذلك إلى إصلاح مؤسسي دائم لا يعتمد على الأفراد أو الظروف السياسية.
وفي ختام النقاش، اتفق المتحدثون على أن تجربة إزالة التمكين كانت ضرورية وشجاعة في كشف الدولة العميقة، لكنها ظلت ناقصة من الناحية المؤسسية، ولم تتحول إلى مشروع إصلاح دائم قادر على منع إعادة إنتاج النظام القديم.
وبقي السؤال مفتوحاً: كيف يمكن تحويل تفكيك التمكين من معركة سياسية مؤقتة إلى مشروع وطني مستدام يعيد بناء الدولة السودانية على أسس قانونية راسخة؟

