وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات – لندن
تقديم: لا تقرأ المبادرة التي أعلنها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في السابع عشر من يونيو 2026، باعتبارها مبادرة انتخابية أو انتقالية بالمعنى التقليدي، بل بوصفها مشروعاً لإعادة هندسة موازين القوى داخل الدولة الليبية. فهي تقدم توحيد السلطة التنفيذية على إجراء الانتخابات، وتجعل من تقاسم النفوذ بين مركزي الثقل في الشرق والغرب شرطاً للاستقرار لا نتيجة له. وتأتي المبادرة تتويجاً لمسار دبلوماسي متدرج بدأه المستشار منذ يوليو 2025، شمل لقاءات في روما وباريس، وتُوّج بتوقيع اتفاق الميزانية الموحدة، بما يكشف عن مقاربة تربط التسوية السياسية باستقرار قطاع النفط وتعزيز النفوذ الأميركي في مواجهة الوجودين الروسي والتركي.
وتقرأ هذه الورقة المبادرة من زاويتها التحليلية، فتنتقل من توصيف بنودها إلى تفكيك منطقها ودوافعها وحدود قابليتها للنجاح.
جوهر المبادرة: محاصصة بين عائلتين بضمانة أميركية ونفطية.
يتمحور جوهر المقترح الأميركي حول صيغة لتقاسم السلطة بين مركزي النفوذ الرئيسيين في البلاد، تقوم على الإبقاء على رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، في موقعه خلال المرحلة الانتقالية، مقابل منح الفريق أول صدام حفتر، نجل خليفة حفتر، دوراً قيادياً ضمن هيكل تنفيذي جديد أو مجلس قيادي يتولى الإشراف على إدارة المرحلة الانتقالية.
وتستند هذه الصيغة إلى ما تحقق من تفاهمات حول الميزانية الموحدة والمؤسسات الاقتصادية المشتركة، باعتبارها قاعدة يمكن البناء عليها لإعادة توحيد مؤسسات الدولة، على أن تهيَّأ الظروف لاحقاً لإجراء انتخابات وطنية بعد استكمال مسار توحيد المؤسسات الأمنية والاقتصادية.
تنطلق الرؤية الأميركية من الاعتراف بالدبيبة بوصفه مركز الثقل السياسي والإداري في غرب ليبيا، مقابل اعتبار عائلة حفتر القوة الأكثر تأثيراً في شرقها، ومن ثم السعي إلى إيجاد صيغة لتقاسم النفوذ داخل مؤسسات الدولة الموحدة مع تأجيل الحسم الانتخابي النهائي. وبهذا المعنى تُكرس المبادرة منطق المحاصصة بين عائلتين، الدبيبة وحفتر، ولا تتجاوزه، الأمر الذي يبقي جذور الأزمة الليبية قائمة بوصفها أزمة تقاسم سلطة لا أزمة شرعية انتخابية مؤجّلة.
المحرّكات الإستراتيجية: النفط واحتواء روسيا والموطئ العسكري
تتجاوز دوافع المبادرة هدفها المعلن المتمثل في توحيد المؤسسات، إلى ثلاث محركات إستراتيجية متشابكة تحدد وجهتها الفعلية:
تعزيز فرص الاستثمار في النفط والغاز الليبيين، عبر ربط التسوية السياسية باستقرار قطاع الطاقة وتأمين بيئة قابلة لعمل الشركات الغربية.
وضع حد لتنامي النفوذ الروسي، الذي بات يتمدد عبر قواعد جوية ومراكز لوجستية وطرق صحراوية ومواقع قريبة من حقول النفط والموانئ الحيوية.
إيجاد موطئ قدم عسكري أميركي في ليبيا مماثل لما حققته موسكو، بما يعيد التموضع الأميركي في عمق المتوسط وشمال أفريقيا.
وفي هذا الإطار يصبح توحيد السلطة وسيلة لتأمين هذه المصالح، لا غاية في ذاته، ويفهم تقديم الاستقرار المؤسسي على الاستحقاق الانتخابي بوصفه انعكاساً لأولوية حماية مكتسبات الطاقة والنفوذ على أولوية تجديد الشرعية.
مساران متنافسان: الشرعية الانتخابية في مواجهة الاستقرار التوافقي:
تكشف المبادرة عن تحول تدريجي في مقاربة الأطراف الدولية والإقليمية للملف الليبي، من التركيز على الانتخابات بوصفها مدخلاً للحل، إلى إعطاء الأولوية للاستقرار المؤسسي وتقاسم السلطة بين مراكز النفوذ القائمة. ويتجلى هذا التحول في التباين بين مسارين متنافسين:
المسار الأممي، الذي ينطلق من ضرورة كسر الجمود السياسي الممتد منذ تعثر انتخابات 2021، عبر معالجة الخلافات القانونية والدستورية العالقة وإطلاق حوار سياسي شامل يفضي إلى خريطة طريق تقود إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية، باعتبارها المدخل الأساسي لإنهاء المرحلة الانتقالية واستعادة الشرعية.
المسار الأميركي، الذي يقوم على إدارة التوازن بين مراكز النفوذ القائمة في الشرق والغرب، ويؤجل الحسم الانتخابي إلى مرحلة لاحقة، ويُقدم توحيد السلطة التنفيذية على الانتخابات بوصفه شرطاً للاستقرار.
وتكمن مخاطرة هذا التنافس في أن يُضعف المساران أحدهما الآخر، فلا يكتمل أي منهما، وأن يقوّض ثقة الأطراف المحلية في جدوى المبادرات الخارجية مجتمعةً.
– الإجماع الخارجي النسبي وحدوده
تكشف المبادرة عن توافق نسبي بين معظم الفاعلين الخارجيين حول منع عودة الصراع والحفاظ على استقرار قطاع الطاقة، رغم استمرار التنافس على النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي:
تنظر مصر إلى استقرار ليبيا بوصفه جزءاً من أمنها القومي، وتتمثل أولوياتها في الحفاظ على وحدة الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية، ومنع صعود قوى معادية لمصالحها، ودعم تسوية تضمن دوراً مؤثراً لمعسكر الشرق. ورغم علاقاتها الوثيقة بهذا المعسكر، إلا أن القاهرة تبدو أكثر انفتاحاً على الحلول التوافقية وأقل ميلاً إلى خيارات الحسم العسكري.
تدعم الإمارات استقرار الدولة الليبية وتعزيز مؤسساتها، وقد انتقل تركيزها، رغم كونها من أبرز داعمي معسكر الشرق، إلى الاستقرار السياسي وإعادة الإعمار والاستثمار، مع الحفاظ على علاقاتها بالقوى الفاعلة في الشرق.
تتعارض المبادرة مع المصالح الروسية، إذ تعتبرها موسكو محاولة لإقصائها والاستئثار بموارد الطاقة وعقود الصفقات على حسابها. وتمنحها سيطرتها على قواعد جوية ومراكز لوجستية وطرق صحراوية، وتمركز قواتها قرب حقول النفط والموانئ، نفوذاً كبيراً على مستقبل الطاقة الليبية، ويجعل عمل الشركات الغربية صعباً دون ضمانات أمنية.
تركيا حصلت على حق نقض فعلي في قطاع الأمن غرب ليبيا والمناطق البحرية بعد اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع طرابلس عام 2019، ما يجعلها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية تمس الغرب. ولذلك استقبلت أنقرة بولس مسعد في منتدى أنطاليا ولم ترفض المبادرة علناً، لكنها تراقب بحذر أي تراجع محتمل لنفوذها.
وعلى هذا فإن الإجماع الخارجي يبقى إجماعاً على الأهداف الدنيا، تثبيت الاستقرار وحماية الطاقة، لا على تقاسم النفوذ، الامر الذي يجعله هشا أمام أي اختبار جدي لموازين القوى القائمة.
– شروط النجاح والتحديات
يبقى نجاح المبادرة مرهوناً بقدرتها على تجاوز جملة من التحديات البنيوية:
معضلة الثقة والتوازن المحلي: صعوبة التوفيق بين مصالح مراكز النفوذ المتنافسة في الشرق والغرب، في ظل غياب الثقة المتبادلة وتراكم الخلافات السياسية والأمنية.
معضلة التوافق الخارجي: صعوبة تحقيق إجماع دولي وإقليمي كامل حول تفاصيل المبادرة، في ظل تباين أولويات القوى المنخرطة، خاصة التعارض مع المصالح الروسية والحذر التركي.
معضلة الشرعية المؤجلة: قد يثير تأجيل الانتخابات انتقادات الأطراف التي ترى في تجديد الشرعية عبر الصناديق أولويةً للمرحلة المقبلة.
معضلة الإقصاء: قد تعارض قوى سياسية وفاعلون محليون المبادرة إذا رأوا فيها تكريساً لموازين القوى الراهنة على حساب المسار الانتخابي، أو على حساب قوى وشخصيات لا تشارك في الترتيبات المقترحة.
الخلاصة:
نجاح المبادرة سيبقى مرهوناً بتجاوز أربع معضلات بنيوية: الثقة بين الأطراف المحلية، والتوافق الخارجي، والشرعية المؤجلة، وخطر إقصاء قوى وفاعلين محليين. وفي غياب حلول لهذه المعضلات، تظل المبادرة هشة أمام أي اختبار جدي لموازين القوى.

