الرئيسيةمقالاتمواقف ومشاهد. السلام في السودان بين منع بورتسودان واستجابة حكومة السلام الانتقالية.

مواقف ومشاهد. السلام في السودان بين منع بورتسودان واستجابة حكومة السلام الانتقالية.

بقلم: عبدالله اسحق محمد نيل.

السلام في السودان اليوم لا يقف عند حدود الشعارات، بل هو اختبار يومي للضمير الوطني ولقدرة السياسة على أن تسبق البندقية فمنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 وجد السودانيون أنفسهم أمام مفارقة قاسية، بين رفض معلن من حكومة بورتسودان بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان، وبين استجابة ظل تقدمتها قوات الدعم السريع وحكومة السلام والوحدة الانتقالية بقيادة رئيس المجلس الرئاسي الفريق أول محمد حمدان دقلو حميدتي.

ومنذ اليوم الأول للحرب تبنت حكومة بورتسودان موقفا يقوم على الحسم العسكري ورفض أي تفاوض مباشر. في مايو 2023 انسحبت من منبر جدة بعد جولتين، وفي يونيو 2023 علقت مشاركتها بحجة “عدم جدية الطرف الآخر”. تكرر المشهد في جدة 2 في أكتوبر 2023، وفي جنيف أغسطس 2024 حيث رفضت الحضور المباشر واشترطت تنفيذ إعلان جدة أولا. هذا النهج صاحبه إغلاق مطار الخرطوم وتعليق العمل المصرفي المركزي، وتأخير فتح الممرات الإنسانية لأشهر، ما فاقم أزمة النازحين واللاجئين الذين تجاوز عددهم 11 مليون بحسب تقارير أممية منتصف 2024. الخطاب الرسمي ركز على “القضاء على التمرد” كشرط مسبق لأي تسوية، بينما ظلت المدن تحت القصف ونقص الدواء والان تشترط انسحاب وخروج قوات تأسيس من المدن وتسليم الاسلحةفي محاولة لوضع العراقي والمراوغة لكسب الزمن وتدمير السودان وقدراته وشعبة .

في المقابل قدمت قوات الدعم السريع وحكومة السلام الانتقالية استجابة متكررة منذ أبريل 2023. وقعت على إعلان جدة لحماية المدنيين في 11 مايو 2023، وأعلنت التزامها به حتى مع تعثر التنفيذ. في ديسمبر 2023 طرحت مبادرة “وقف الحرب فورا” وفتح المسارات الآمنة، وكررت ذلك في اجتماعات الإيقاد والاتحاد الأفريقي. عند الدعوة لمفاوضات جنيف في أغسطس 2024 حضرت الوفود والتزمت بوقف إطلاق نار إنساني لمدة 30 يوما في مناطق سيطرتها لتسهيل إيصال المساعدات إلى دارفور وكردفان. كما أعلنت في بيانات متعددة خلال 2024 التزامها بعودة النازحين الطوعية وتشكيل إدارات مدنية في المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة لتسيير الخدمات الأساسية.

الفرق بين المسارين واضح في الميدان والزمن. منع مستمر قائم على شروط مسبقة وتأجيل، يقابله استجابة سريعة تقوم على إيقاف القتال أولا ثم النقاش. لغة الرفض تخشى تكرار التاريخ، ولغة الاستجابة تخشى ضياع الحاضر.

السودان لا يحتمل مزيدا من المراوغة. المخرج ليس في انتصار طرف، بل في فصل المسار السياسي عن المسار الإنساني. أن يصل الدواء إلى نيالا والفاشر والجنينة قبل الخطاب السياسي. أن نعترف بأن الضحية لا تسأل عن انتماء من ينقذها. السلام ليس استسلاما، والرفض ليس بطولة إذا كان ثمنه استمرار الموت. المطلوب شجاعة تتحول إلى التزامات قابلة للقياس، حتى لا نكتب غدا نفس المقال الذي كتبناه بالأمس.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات