الرئيسيةاخبار سياسيةدرة قمبو تكتب:البرهان ومغامرة حافة الهاوية

درة قمبو تكتب:البرهان ومغامرة حافة الهاوية

مستغلاً وضع الحرب لمواصلة هروبه إلى الأمام ،يسعى قائد الجيش السوداني الجنزال عبد الفتاح البرهان إلى القفز بها ،وتنصيب نفسه رئيساً للبلاد المفتتة والمنقسمة داخلياً بشكل غير مسبوق ،فيتحرك باتجاه ترسيخ وجوده في المشهد السياسي ومحاولة الحصول على شرعية تستند على إدارته الشأن العسكري والاقتصادي والسياسي والدبلوماسي في السودان ،وفق ما كشفته وثيقة مسربة في الأسابيع الأخيرة.
الوثيقة التي تحدثت عن رؤية البرهان للحل مع جهات دولية ،تكشف أن الرجل يسوق نفسه فاعلاً سياسياً أول ومتحكماً في المشهد الداخلي وشريكاً رئيساً في تصميم المستقبل الداخلي والعلاقات الخارجية ،تزامناً مع تسميته أعضاء المحكمة الدستورية المغيبة بفعل مماطلة العسكريين وعراقيلهم، ترافقها حملة داخلية سياسية وإعلامية لتسويق طرحه رئيساً بكامل الصلاحيات في القريب .


يبدو جلياُ رهان البرهان على سياسته المعروفة في شراء الوقت ،تثمر منذ بداية الحرب ، فموافقته على وقفها في أسابيعها الأولى، عبر قبوله لقاء المنامة الذي مثله فيه نائبه العسكري الحالي الفريق شمس الدين الكباشي، ثم نكوصه عن المضي قي الاتفاق، ما هي إلا صورة أحدث لمراوغاته منذ بداية الفترة الانتقالية عقب نجاح الثورة السودانية في إسقاط حكم سلفه وقائده السابق عمر البشير، لكن منهج المراوغة في ظروف الحرب مبني عند الجنرال على التلاعب بورقة الإسلاميين الذين يحتاجونه بقدر حاجته لاستخدام تلك الورقة، فالرفض الدولي وحتى الشعبي للمجموعة التي حكمت البلاد لثلاثة عقود وما تزال متنفذة فيها والمدعمة بانخراطها في الحرب إلى جانب الجيش السوداني، تضغط على الجماعة السياسية الإسلامية في لهاثها للحصول على قبول شعبي من المجموعات الداعمة لاستمرار القتال من منطلقات سياسية أو اجتماعية أو مصالح اقتصادية أو حتى بدافع الخوف من المجهول الذي مثلته قوات الدعم السريع سواء بتقدمها العسكري المبكر والسريع بما أثار القلق على مستقبل الدولة التقليدي أو انتهاكاتها التي لم تصل إلى مناطق في عمق البلاد والوسط بخلاف ما كان مقصوراً على مناطق الإقليم الغربي للسودان في كردفان ودارفور ،وهو أمر غير مسبوق في التاريخ الحديث للسودان .
على صعيد الساسة، حسمت الاصطفافات مع الجيش لدى الكثير من الفاعلين _ على قلة التاثير الحزبي والمجتمعي لهم_ مشواراً لتلك الكيانات التي تعول على تسويق موقفها شعبياً وكذلك حجز مقاعد لقادتها في كعكة السلطة ،في حال سارت الأمور بما يوافق مساعي البرهان، بينما تبقى الكتلة الأكثر استفادة وتأثيراً في مسار الحرب ،هي مجموعة المصالح الاقتصادية ،والمتداخلة في كافة التقاطعات في السياسي والاجتماعي والفردي.
أما في مستوى تسمية أعضاء المحكمة الدستورية، فالبرهان لا يرمي فقط إلى ترتيب الوضع القانوني لأي تفاوض محتمل مع القوى السياسية والمدنية التي ترصدها منذ إنقلابه مع شريكه العدو الحالي حميدتي ،بالبلاغات والقضايا الجنائية ، وإنما يعد المشهد لقمع حتى الحلفاء من الإسلاميين المتربصين به بذات قدر تمسكهم بوجوده، إذ يقتضي الوضع استخدام أكثر من تكتيك للإبقاء على التحالف المرحلي الواضح للطرفين، فوجود المحكمة الدستورية، يمهد للبرهان التربع على رأس الدولة بغطاء قانوني، ويمنحه السيطرة اللازمة لكثير من الخطوات ،بجانب تمكينه من حل مجلس السيادة الذي يضم مجموعات ،تتطلب المرحلة التخلص منها ،بل التملص من أعبائها، كالحركات المسلحة وتعيينات العضوية فيه القائمة على أساس جهوي ومناطقي، لكن الأهم لبرهان هو خلق مشروعية قانونية ،يجادل بها في المنظومات الإقليمية أولاً لإنهاء تجميد عضوية السودان فيها المستمرة منذ الانقلاب في أكتوبر 2021 .
فك تجميد العضوية، يرفع عن كاهل الجنرال هماً لازم سعيه للانفراد بالحكم منذ ذلك الحين وعرقل إثمار مناوراته العديدة مع المجتمع الدولي، فيستمر في دأبه للاستعانة بالرافعة الإقليمية بغرض فتح الطريق أمام قبوله دولياً،مستفيداً من التجربة المتكررة في العالم الثالث وبالطبع مسترشداً بتجربة الجارة الراعية لمشروعه ومشروعها الاستراتيجي لعسكرة الدولة السودانية ،وتوسيع مظلة الديكتاتوريات العسكرية في المنطقة، لكن هذه المرة مع التطعيم بالنكهة التونسية، ما استعصاء نموذج غرب إفريقيا الماثل في مالي وبوركينا فاسو ،فتجربة أستاذ القانون الدستوري التونسي قيس سعيد، كوة أمل ،مع صمودها حتى اللحظة وحصدها دعماً عربياً معقولة، وهو عين ما يتطلع له البرهان لإكمال فتح ممر لتسويقه دولياً في حال تطابق الموقف العربي والإفريقي لصالحه.
لا ننسى أن عملية تعيين رئيس وزراء وتوقع ان اختيار شخصية بمواصفات محددة كما حدث في حالة الدكتور كامل إدريس، أتت بنتيجة عكسية داخلياً وخارجياً، فالرجل القادم من سويسرا، صفحته ما تزال يغطيها الجليد كجبال بلده الثاني ،ويعيش شتاءً مستمراً مع كامل منظومة الحكومة، إذ فشل في تحسين الوضع الداخلي بكافة أوجهه، كما عجز عن تحقيق أي اختراق خارجي ،حتى على مستوى المنظمات الدولية ،المفترض تمتعه بصلات ومداخل جيدة فيها، ما أوقعه في فخ المقارنة برئيس الوزراء الانتقالي الدكتور عبد الله حمدوك، فالوضع الداخلي لا يبدأ من ضيق المعيشة وشح الخدمات ولا ينتهي بغموض المستقبل بشأن الحرب التي ينتظر ان يكون لرئيس الجهاز التنفيذي كلمة ولمسة واضحة فيها، لكنها لم تغادر محطة مبادرته للسلام التي يبدو انه نفسه نسي ما فيها وعاف الترويج لها .
ثمة كتلة فاعلة في مقدمة واقع المشهد المحلي أيضاً ،تتألف من مجموعات داخلية يتوسل إليها الجنرال بغضه الطرف عن تحالفات الفساد التي تمسك بتلابيب الدولة والمعاش اليومي للمواطين ،وهي النخبة الاقتصادية الجديدة المتنامية مع الحرب ،والتي تتداخل فيها كل المجموعات آنفة الذكر من قوى سياسية واجتماعية وعسكرية، فأظهر القطاعات التي ترفد الحرب بالمال، تحوز على أنصبة ضخمة من العمل في قطاع الذهب واستيراد السلاح وتوفير الوقود ،باعتبارها موارد رئيسية للحرب واحتياجات لا غنى عنها لمواصلة إيهام المواطين بجدوى القتال وضرورته لمستقبل وجود الدولة.
هذه التداخلات هي من صميم ما يخلط الأوراق ،رغم كونها الوسيلة الأنجع حتى الآن في بقاء تحالف داعمي الحرب وشركائها، وفي تغذية مشروع الجنرال الشخصي ،للتحول من قائد عسكري تلاحقه مزاعم جرائم قديمة وأخرى حديثة ،إلى رئيس يتمتع بحصانة تصرف الأنظار عن ماضيه وحاضره ،وتعيد تقديمه في صورة قائد سياسي ،لم تفلح الحرب ميدانياً في ضمان مستقبله العسكري لكنها قد تؤمن له فرصة مواصلة اللعب على الحبال والمناورات التي تعيش عليها الدولة منذ ظهوره في الحياة العامة

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات