الرئيسيةمقالاتالعقوبات الأمريكية الجديدة على السودان…هل يعود السودان إلى مربع ما قبل سقوط...

العقوبات الأمريكية الجديدة على السودان…هل يعود السودان إلى مربع ما قبل سقوط نظام الأنقاذ.؟؟. ( 3 _ 1 )

   بقلم السفير الصادق المقلي

     أعلنت الولايات المتحدة دخول العقوبات الإضافية على السودان حيز التنفيذ في العشرين من يوليو الجاري ، بعد أن خلصت إلى أن الحكومة السودانية لم تستوفِ الشروط المنصوص عليها في قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، وذلك على خلفية اتهامها باستخدام أسلحة كيميائية خلال الحرب الدائرة في البلاد.

وتشمل هذه العقوبات ثلاثة إجراءات رئيسية: أولها إلزام الولايات المتحدة بمعارضة أي قروض أو مساعدات مالية أو فنية تقدم للسودان عبر المؤسسات المالية الدولية، باستثناء المساعدات الإنسانية الأساسية. وثانيها حظر تصدير معظم السلع والتقنيات الأمريكية إلى السودان، مع تطبيق مبدأ “افتراض الرفض” على الصادرات ذات الحساسية الأمنية. وثالثها تعليق تصاريح شركات الطيران الحكومية السودانية للتحليق من وإلى الولايات المتحدة، وذلك لمدة عام على الأقل.

وتأتي هذه العقوبات بعد سلسلة من الإجراءات الأمريكية السابقة التي استهدفت عدداً من المسؤولين السودانيين، من بينهم رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، ومدير منظومة الصناعات الدفاعية الفريق ميرغني إدريس، وغيرهما، وفي وقت لا تزال فيه علاقات السودان مع مجموعة البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وبنك التنمية الأفريقي، والمؤسسات المالية متعددة الأطراف، معلقة عملياً منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، ثم ازدادت تعقيداً مع اندلاع الحرب في أبريل 2023.

وقبل إعلان هذه العقوبات، صعدت الولايات المتحدة موقفها داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، عندما كررت اتهامها للسودان بعدم الامتثال لالتزاماته بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وطالبت بسحب عضويته من المكتب التنفيذي للمنظمة. وفي المقابل، أوضح وفد السودان أن لجنة التحقيق الوطنية التي شكلها الفريق أول البرهان قبل أكثر من عام لا تزال تواصل أعمالها، وأن تقريرها ما يزال تقريراً أولياً. كما كشف المندوب الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة، ولأول مرة، عن زيارة فريق فني أمريكي إلى السودان للتحقق من هذه المزاعم، وقال إن نتائج تحقيق ذلك الفريق لم تُسلَّم حتى للسفارة السودانية. ومع ذلك، مضت واشنطن في فرض العقوبات قبل صدور التقرير النهائي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وقبل إعلان نتائج الفريق الفني الأمريكي، وهو ما يعكس إصرار الإدارة الأمريكية على المضي في إجراءاتها دون انتظار اكتمال المسار الفني الدولي.

ولكن خطورة هذه العقوبات لا تكمن في بعدها الثنائي بين الخرطوم وواشنطن فحسب، وإنما في آثارها المباشرة على علاقة السودان بالنظام المالي الدولي بأسره.

“إن القضية ليست إثبات صحة الاتهام الأمريكي أو بطلانه، وإنما أن القرار الأمريكي خلق واقعًا سياسيًا واقتصاديًا وماليًا جديدًا. وحتى لو انتهت التحقيقات الدولية لاحقًا إلى نتيجة مختلفة، فإن السؤال هو: هل ننتظر حتى تتكشف الحقيقة بعد أن يكون السودان قد دفع الثمن؟ أم نتعامل مع هذا الواقع بعقلانية سياسية ودبلوماسية لتقليل الخسائر؟”

ولذلك فإن القضية المطروحة اليوم ليست مجرد الجدل حول صحة الاتهامات الأمريكية أو بطلانها، فهذا أمر ستفصل فيه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والجهات الدولية المختصة. وإنما القضية الحقيقية هي أن الولايات المتحدة اتخذت قرارها بالفعل، وخلقت أمراً واقعاً ستكون له تداعيات سياسية واقتصادية ومصرفية عميقة على السودان، بصرف النظر عما قد تنتهي إليه التحقيقات الدولية مستقبلاً.

وليس هذا دفاعاً عن الموقف الأمريكي، ولا تسليماً بصحة الاتهامات، وإنما قراءة واقعية لطبيعة النظام الدولي ولموازين القوى. فقد علمتنا التجارب أن السياسة الدولية لا تنتظر دائماً اكتمال المسارات القانونية، وأن الدول الكبرى كثيراً ما تتخذ قراراتها انطلاقاً من تقديراتها لمصالحها القومية، ثم تأتي التحقيقات والجدالات القانونية لاحقاً.

ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار السوداني: هل ننتظر حتى تتكشف الحقيقة كاملة، وبعد أن يكون السودان قد دفع الثمن السياسي والاقتصادي والدبلوماسي، ثم نكتفي بالقول إن الاتهامات كانت صحيحة أو باطلة؟ أم نتعامل مع هذا الواقع الجديد بعقلانية وحكمة، ونسعى إلى احتواء تداعياته قبل أن تتسع دائرة العزلة، ويجد السودان نفسه مرة أخرى خارج النظام المالي والاقتصادي العالمي؟

وفي تقديري، فإن الهدف السياسي الأوسع لهذا التصعيد الأمريكي يتمثل في ممارسة المزيد من الضغوط على الحكومة السودانية للدفع نحو وقف الحرب والانخراط في عملية سلام جادة، بما في ذلك المبادرات الإقليمية والدولية المطروحة، انطلاقاً من قناعة متزايدة لدى المجتمع الدولي باستحالة الحسم العسكري، وأن استمرار الحرب لن يؤدي إلا إلى تعميق أكبر كارثة إنسانية يشهدها العالم في القرن الحادي والعشرين.

إن الحكمة السياسية تقتضي أن يقرأ السودان هذا الواقع كما هو، لا كما يتمنى أن يكون. فالتاريخ لا يعيد نفسه دائماً، لكنه كثيراً ما يعيد إنتاج دروسه. والعبرة ليست في كسب الجدل، وإنما في تجنب أن يدفع الوطن مرة أخرى ثمن عزلة دولية امتدت آثارها في الماضي لعقود..

.

  الخارجية السودانية أصدرت بيانا رفضت فيه العقوبات الأمريكية.. أن شاء الله هذا هو موضوع الحلقة الثالثة من المقال

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات