الحرب وتغيرات النيل تدفع التماسيح إلى مناطق مأهولة.. وخبراء يحذرون من حملات قتلها
أثار انتشار مقاطع فيديو خلال الأسابيع الأخيرة، توثق ظهور تماسيح النيل في مناطق متفرقة من ولاية الخرطوم وولايتي نهر النيل والشمالية، حالة من القلق بين المواطنين، في وقت يؤكد فيه خبراء البيئة أن الظاهرة ليست نتيجة زيادة أعداد التماسيح، وإنما انعكاس مباشر للتغيرات البيئية التي فرضتها الحرب في السودان، إلى جانب التغيرات في مناسيب مياه النيل.
ويرى مختصون أن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 أحدثت اضطراباً واسعاً في الأنظمة البيئية، بعدما دمرت مساحات كبيرة من الغطاء النباتي والغابات، وأثرت على حركة الحيوانات البرية والطيور المهاجرة، كما ساهم انخفاض مناسيب النيل الأزرق نتيجة عمليات تخزين المياه عند سد النهضة الإثيوبي، إضافة إلى تجميع الاحتياطيات المائية خلف خزان الروصيرص، في تغيير البيئة الطبيعية التي تعتمد عليها التماسيح للعيش والتكاثر.
ويؤكد الباحثون أن هذه التغيرات أجبرت التماسيح على مغادرة موائلها التقليدية والاقتراب من المناطق المأهولة بالسكان، الأمر الذي أدى إلى تزايد مشاهدتها في مناطق لم يكن ظهورها فيها مألوفاً خلال السنوات الماضية.
دعوات لقتل التماسيح تثير مخاوف بيئية
بالتزامن مع انتشار هذه المشاهد، تصاعدت على منصات التواصل الاجتماعي دعوات لمطاردة التماسيح وقتلها، بدعوى حماية السكان، إلا أن علماء البيئة يحذرون من أن هذه الحملات قد تؤدي إلى أضرار بيئية جسيمة يصعب تعويضها.
ويصنف تمساح النيل باعتباره أحد أهم المفترسات العليا (Apex Predator) في النظام البيئي للنيل، كما يوصف بأنه “مهندس بيئي” نظراً للدور الذي يؤديه في الحفاظ على التوازن الطبيعي داخل الأنهار والبحيرات.
ويؤكد المختصون أن القضاء على التماسيح لن يحل المشكلة، بل قد يخلق سلسلة من الاضطرابات البيئية التي تمتد آثارها إلى الثروة السمكية وجودة المياه والتنوع البيولوجي.
حارس غير مرئي للثروة السمكية
ورغم الاعتقاد السائد بأن التماسيح تستنزف الثروة السمكية، تشير الدراسات البيئية إلى أن وجودها يساهم في حماية الأسماك ذات القيمة الاقتصادية.
فالتماسيح تتغذى بصورة رئيسية على الأسماك المفترسة الكبيرة، مثل بعض أنواع القرموط، التي تلتهم الأسماك الصغيرة وبيض أنواع مهمة مثل البلطي.
ويرى خبراء أن اختفاء التماسيح يؤدي إلى زيادة أعداد هذه الأسماك المفترسة، وهو ما ينعكس في النهاية على انخفاض إنتاجية المصائد الطبيعية التي يعتمد عليها آلاف الصيادين.
“عمال نظافة” في النيل
ويلعب تمساح النيل دوراً مهماً في الحفاظ على جودة المياه، إذ يتغذى على جثث الحيوانات والأسماك النافقة، ما يمنع تراكمها وتحللها داخل النهر.
ويحذر المختصون من أن تراجع أعداد التماسيح يؤدي إلى زيادة تلوث المياه، وانخفاض مستويات الأكسجين، وارتفاع احتمالات انتشار البكتيريا والأمراض التي تهدد الكائنات المائية والإنسان على حد سواء.
كما تساهم فضلات التماسيح في توفير عناصر غذائية تغذي العوالق النباتية والحيوانية، التي تشكل الحلقة الأولى في السلسلة الغذائية للأسماك.
مهندس للنظام البيئي
ويشير الباحثون إلى أن التماسيح تقوم بحفر برك وممرات عميقة على ضفاف النيل، تتحول خلال مواسم الجفاف إلى ملاجئ طبيعية للأسماك والبرمائيات والكائنات الصغيرة، بما يساعدها على البقاء حتى عودة المياه.
كما تستفيد بعض أنواع الطيور من وجود التماسيح، إذ تبني أعشاشها بالقرب منها لحماية بيضها من الحيوانات المفترسة التي تتجنب الاقتراب من مواقع التماسيح.
وتشير دراسة ميدانية أجريت بين عامي 2009 و2014 إلى وجود نحو 2350 تمساحاً فقط في مجرى النيل وبحيرة النوبة، بينما كانت تقديرات أممية في سبعينيات القرن الماضي تتحدث عن وجود ما يقارب مليون تمساح في السودان، وهو ما يعكس تراجعاً كبيراً في أعداد هذا النوع خلال العقود الماضية.
ويؤكد الباحثون أن تعويض هذا الانخفاض يحتاج إلى سنوات طويلة، إذ يحتاج التمساح النيلي إلى ما بين ثماني وعشر سنوات للوصول إلى مرحلة النضج، بينما لا ينجو من بين كل مئة صغير سوى واحد إلى ثلاثة فقط، نتيجة الافتراس والعوامل البيئية المختلفة.
خبراء: الحرب زادت هشاشة النظام البيئي
ويرى باحثون أن ضعف الرقابة البيئية، وتراجع برامج حماية الحياة البرية، وغياب حملات التوعية خلال سنوات الحرب، كلها عوامل أسهمت في زيادة استهداف التماسيح وانتشار الدعوات إلى قتلها.
ويحذر المختصون من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى مزيد من التدهور في التنوع البيولوجي واختلال السلسلة الغذائية المرتبطة بالنيل والثروة السمكية.
وقال المهندس الزراعي عمر بابكر، من وزارة الثروة الحيوانية، إن التماسيح تمثل أحد المفترسات العليا في النظام البيئي، وتؤدي دوراً محورياً في الحفاظ على التوازن الطبيعي داخل الأنهار، مؤكداً أن إدارتها يجب أن تتم وفق أسس علمية، بما يحقق التوازن بين حماية الإنسان والمحافظة على البيئة.
بين حماية الإنسان وحماية الطبيعة
ويرى مختصون أن ظهور التماسيح بالقرب من التجمعات السكانية يتطلب استجابة علمية من الجهات المختصة، تشمل مراقبة تحركاتها، وإنشاء فرق متخصصة للتعامل معها، وتنفيذ برامج توعية للمواطنين، بدلاً من اللجوء إلى حملات قتل عشوائية قد تضر بالنظام البيئي أكثر مما تحققه من حماية.
ويؤكد الخبراء أن الحفاظ على تمساح النيل لا يعني تجاهل سلامة المواطنين، بل يتطلب إدارة متوازنة تستند إلى الدراسات العلمية، باعتبار أن هذا الكائن يشكل جزءاً أساسياً من النظام البيئي لنهر النيل، وأن فقدانه قد يقود إلى سلسلة من التأثيرات البيئية والاقتصادية التي تمتد آثارها لعقود قادمة، في وقت يواجه فيه السودان تحديات غير مسبوقة بسبب الحرب والتغيرات المناخية والضغوط المتزايدة على موارده الطبيعية.

