ذو النون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات لندن
تقديم
أعادت موجة الهجرة الجماعية إلى مدينة سبتة الإسبانية في 30 يوليو/تموز 2026 وضع العلاقات المغربية-الإسبانية وسياسات الهجرة الأوروبية إلى واجهة الاهتمام، بعدما عبر أكثر من 60 ألف مهاجر براً وبحراً خلال يوم واحد ، في واحدة من أكبر موجات العبور التي شهدها الجيب الإسباني، والتي شكلت ما يعادل نحو 70% من إجمالي سكان المدينة البالغ عددهم حوالي 84 ألف نسمة . وردّت مدريد والرباط بتعزيز الإجراءات الأمنية على الحدود، بينما نشرت إسبانيا قوات من الجيش لاستعادة النظام، عقب ارتفاع حصيلة الوفيات إلى 34 شخصاً على الأقل. وقد أثارت الأزمة تساؤلات حول أسبابها الحقيقية، وما إذا كانت تمثل تطوراً طبيعياً في مسارات الهجرة غير النظامية، أم تحمل أبعاداً سياسية مرتبطة بالعلاقات المغربية مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي.
المعطيات
تشير الرواية الرسمية الإسبانية، التي تبنّاها رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، إلى أن شبكات تهريب المهاجرين استغلت حكماً حديثاً صادراً عن المحكمة العليا الإسبانية في 8 يوليو/تموز 2026، ينص على عدم جواز إعادة المهاجرين الذين يتم اعتراضهم في البحر فوراً بموجب نظام استثناءات الحدود . وروّجت شبكات التهريب عبر وسائل التواصل الاجتماعي لمعلومات مضللة، حيث انتشرت على فيسبوك مجموعة تضم 20 ألف عضو تشارك خرائط ونصائح وحتى معلومات حول أماكن الحصول على زعانف السباحة.
تؤكد المعطيات الاقتصادية والاجتماعية أن غالبية الوافدين هم من الشباب المغربي الباحث عن فرص عمل أو تحسين الأوضاع المعيشية، مستفيدين من القرب الجغرافي لسبتة مقارنة بمسارات الهجرة الأخرى. وتشير البيانات الرسمية إلى أن ربع المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً ليسوا في التعليم أو العمل أو التدريب. كما ساهمت الظروف الموسمية، ولا سيما هدوء البحر وارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف، في تسهيل عمليات العبور .
برزت فرضية تربط الموجة الحالية بتوترات دبلوماسية بين الرباط ومدريد، إذ رأى بعض الساسة والمحللين الإسبان أن تخفيف الرقابة المغربية على الحدود قد يكون وسيلة ضغط غير مباشرة. وقد أشارت تقارير إلى أن زيارة سانشيز الأخيرة إلى الجزائر، التي تدعم استقلال الصحراء الغربية، أثارت استياء الرباط وجددت الخلاف الدبلوماسي حول سيادة سبتة ومليلية. كما لاحظ صحفيون متخصصون أن القوات الأمنية المغربية بدت وكأنها “تضع يديها في حجرها” منذ الأربعاء، وسمحت للمهاجرين بالوصول إلى حاجز الأمواج الذي يفصل سبتة عن المغرب. غير أن الرباط تؤكد أن الظاهرة ترتبط بتعقيدات الهجرة غير النظامية ونشاط شبكات التهريب، وتصف تعاونها مع إسبانيا في مجال الهجرة بأنه “مثالي”.
التحليل
تختلف الأزمة الحالية عن أزمة مايو/أيار 2021، التي ارتبطت بوضوح بخلاف دبلوماسي عقب استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو للعلاج، حيث اتُهم المغرب آنذاك بتخفيف الرقابة الحدودية رداً على الموقف الإسباني . ورغم أن الأزمة الراهنة تفتقر إلى حدث سياسي مماثل بالوضوح نفسه، فإن تزامنها مع زيارة سانشيز إلى الجزائر يثير تساؤلات مشروعة حول توقيتها. ومع ذلك، تميل التغطية الإعلامية الإسبانية والدولية إلى التركيز على العوامل القانونية والاقتصادية أكثر من تبني فرضية الضغط السياسي المباشر .
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن المغرب يمتلك قدرة تشغيلية مؤثرة في ضبط تدفقات الهجرة نحو سبتة ومليلية، بحكم سيطرته على الحدود وتعاونه الأمني مع الاتحاد الأوروبي. وقد جعل ذلك من إدارة الهجرة إحدى أوراق النفوذ التي تبرز في أوقات التوتر السياسي، حتى وإن لم يُعلن استخدامها بصورة مباشرة. وقد أشار محللون إلى أن هذه الأحداث تشكل “اختباراً لا لبس فيه لديناميكيات القوة في البحر المتوسط”. وفي المقابل، يمثل التعاون المغربي في إدارة الحدود مصلحة استراتيجية لأوروبا، التي تقدم دعماً مالياً وتقنياً للرباط مقابل الحد من تدفقات الهجرة.
وتكشف الأزمة عن مشكلة أوروبية أعمق تتجاوز العلاقة مع المغرب. فقد تحولت خلال أيام من أزمة حدودية إلى ساحة خلاف داخل الاتحاد الأوروبي بشأن سياسات الهجرة واللجوء، حيث أعلنت إيطاليا تعليق اتفاقية شنغن مع إسبانيا مؤقتاً ، ودعمت فنلندا هذا المقترح، وطالب المستشار الألماني فريدريش ميرز المغرب بـ”استعادة المهاجرين غير الشرعيين فوراً” . كما انتقد زعيم حزب فوكس الإسباني اليميني المتطرف الأزمة ووصفها بأنها “غزو”. ويشير ذلك إلى أن جانباً مهماً من الأزمة يرتبط بالانقسامات الأوروبية الداخلية واستغلال اليمين المتطرف للمشهد لأغراض سياسية، أكثر من ارتباطه بخلاف مباشر مع الرباط، كما أشار وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس متهما إيطاليا بـ”تسييس الهجرة لأغراض سياسية” .
الخلاصة:
تمثل موجة الهجرة الجماعية إلى سبتة نتيجة لتفاعل عدة عوامل في آن واحد، أبرزها انتشار معلومات مضللة استغلت حكماً قضائياً إسبانياً حديثاً، والضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الشباب المغربي، والظروف الموسمية الملائمة، إلى جانب نشاط شبكات التهريب التي روّجت لفرص وهمية للبقاء في إسبانيا. كما أن الزيادة الكبيرة في أعداد المهاجرين في سبتة خلال النصف الأول من 2026 بنسبة 149.4% مقارنة بالعام السابق تشير إلى اتجاه تصاعدي لا يمكن إرجاعه إلى حدث سياسي واحد.
الأزمة نتاج تداخل بين عوامل بنيوية وأمنية وقانونية وسياسية، تكشف عن استمرار هشاشة سياسة الهجرة الأوروبية واعتمادها الكبير على التعاون مع دول العبور، وفي مقدمتها المغرب. كما أنها كشفت عن استغلال قوى اليمين المتطرف في أوروبا للأزمة لتعزيز خطابها السياسي، مما حول أزمة حدودية محلية إلى ساحة صراع سياسي أوروبي .
بالنظر إلى السوابق التاريخية وقدرة المغرب على التأثير في وتيرة تدفقات الهجرة، يظل عامل التواطؤ قائماً، لكنه لا يستند حتى الآن إلى مؤشرات أو أدلة كافية تسمح باعتباره التفسير الرئيسي للأزمة. ومع ذلك، فإن تزامن الموجة مع زيارة سانشيز إلى الجزائر، والاحجام عن التدخل للقوات المغربية، يمنحان هذه الفرضية قدراً من المعقولية لا يمكن تجاهله، وإن ظل في نطاق الاحتمال دون الجزم.