في أوج حرب أحرقت مدن السودان وشردت الملايين، خرجت سلطة بورتسودان بقيادة الفريق الانقلابي عبدالفتاح البرهان بما سمته “حوارا وطنيا”. لكنه ليس حوارا. هو منصة مغلقة صممها البلابسة والفلنقاوات والدواعش لإنتاج شرعية ميتة في ظل عقوبات دولية وحصار اقتصادي وعزلة إقليمية ودولية.
حوار لاستنساخ القديم
هذا الحوار يستثني عمدا تحالف السودان التأسيسي، ويقصي قوى الثورة، ويتجاهل لجان المقاومة والنازحين واللاجئين. وتديره ذات المجموعات التي حكمت 30 عاما: حزب المؤتمر الوطني المحلول، والحركة الإسلامية، والإخوان المسلمين.
يخرج علينا بعض المنتفعين ليقولوا إنه “حوار لبناء الدولة وتحقيق السلام”. أي دولة تبنى ببندقية؟ وأي سلام يصنعه من أشعل الحرب ويرفض إيقافها؟
المواقف المبدئية التاريخية
التاريخ السوداني شاهد. في أكتوبر 1964م وأبريل 1985م وديسمبر 2018م، انتصر الشعب عندما توحد خلف موقف مبدئي واحد: لا شرعية لسلطة انقلابية، ولا حوار تحت البندقية.
قوى 2019م وقعت على إعلان الحرية والتغيير بموقف مبدئي واضح: تفكيك دولة الحزب الواحد، وقيام دولة المواطنة المتساوية. واليوم يعاد نفس السيناريو. سلطة انقلابية تريد حوارا مع نفسها، وتسميه وطنيا.
اجتماعيا، السودان ظل متماسكا عبر الإدارات الأهلية ولجان السلم والمبادرات المجتمعية. في دارفور وكردفان والشرق والوسط، كانت “الجوديات” و”الصلح” هي أدوات الناس لاحتواء النزاعات. لكن السلطة الحالية اختارت طريق الحرب بدلا عن طريق المجتمع.
أساس الأزمة والحرب على الشعب
الأزمة بدأت بانقلاب 25 أكتوبر 2021م الذي أراد إجهاض التحول المدني. وعندما فشل، تحول إلى حرب 15 أبريل 2023م. حرب البرهان ومن معه لم تكن ضد خصم عسكري فقط، كانت حربا على الشعب: قصف للأسواق والمستشفيات، وحصار للمدن، وتجويع متعمد.
اليوم لدينا أكثر من 15 مليون نازح ولاجئ، ومجاعة في 8 ولايات، وانهيار كامل للتعليم والصحة. البرهان رفض منبر جدة، ورفض كل مبادرات الإيقاف الفوري للقتال، ورفض التفاوض المباشر. يرفع شعار “الحسم العسكري” بينما يدفع المواطن الثمن دما وجوعا ونزوحا.
الموقف
لا يمكن صناعة سلام بمنطق الاستثناء والإقصاء. لا شرعية لحوار لا يضم الضحايا، ولا مصداقية لسلطة ترفض السلام وتتاجر بالحرب.
الموقف المبدئي التاريخي للشعب السوداني واضح: سلطة مدنية كاملة، جيش مهني قومي، وعدالة انتقالية، وسلام شامل لا يستثني أحدا.
رسالتنا: لن نسمح بأن تتحول جريمة الحرب إلى شرعية بالحوار. ولن نسمح بأن تتحول معاناة الناس إلى منصة لتلميع الانقلاب. السلام يصنعه السودانيون جميعا، وعلى طاولة واحدة، لا في غرف مغلقة للبلابسة والفلنقاوات.