الرئيسيةاخبار سياسيةصعود نجل سلفاكير: تأمين الحكم أم تمهيد للخلافة؟

صعود نجل سلفاكير: تأمين الحكم أم تمهيد للخلافة؟

وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات -لندن

تقديم

أصدر رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت، في 8 سبتمبر/أيلول 2026، مرسوماً رئاسياً عيّن بموجبه نجله اللواء أتيم سلفاكير قائداً للحرس الرئاسي، المعروف بـفرقة النمر، وهي إحدى أكثر الوحدات العسكرية نفوذاً في البلاد. ويحتفظ أتيم بقيادة القوات الخاصة التابعة لجهاز الأمن الوطني، ما يضع تحت إشرافه المباشر وحدات أمنية وعسكرية ترتبط بحماية مركز السلطة في جوبا. يأتي هذا التعيين بعد أيام فقط من ترقيته إلى رتبة لواء، ضمن مسار صعود سريع داخل المؤسسة الأمنية، ليعيد إلى الواجهة سؤالين: هل يتعلق الأمر بتأمين الحكم وحماية الرئيس وأسرته، أم أنه تمهيد فعلي لخلافة سياسية قادمة؟

المعطيات

جاء تعيين أتيم سلفاكير بعد أيام من ترقيته إلى رتبة لواء. وقد انضم، وهو من مواليد 1994، إلى الأجهزة الأمنية عام 2012، وبدأ مسيرته في جهاز الأمن الوطني، قبل أن يتولى قيادة القوات الخاصة التابعة للمكتب الداخلي للجهاز لأكثر من ثلاث سنوات. وفي فبراير/شباط 2026 رُقّي إلى رتبة عميد، ثم إلى رتبة لواء قبيل تعيينه قائداً للحرس الرئاسي.

يتزامن هذا التعيين مع استعداد جنوب السودان رسمياً للانتخابات المقررة في ديسمبر/كانون الأول 2026، وفي ظل غموض مستمر يحيط بمستقبل السلطة وترتيبات الخلافة. ويتولى سلفاكير، البالغ 74 عاماً، رئاسة البلاد منذ استقلال جنوب السودان عام 2011، بعد أن قاد الحركة الشعبية لتحرير السودان عقب وفاة جون قرنق عام 2005. ولا يزال رئيساً للحركة الحاكمة، إضافة إلى موقعه قائداً أعلى للقوات النظامية، من دون أن يعلن موعداً للتقاعد أو ترتيبات واضحة لخلافته.

ويصعب فصل تعيين نجله عن عمليات إعادة تشكيل مراكز القوة التي شهدها النظام خلال الفترة الماضية. فقد كان الفريق أول في جهاز الأمن الوطني، بنيامين بول ميل، حتى وقت قريب، أحد أبرز الأسماء المطروحة لخلافة كير. وصعد بول ميل بسرعة داخل النظام؛ إذ عُيّن نائباً للرئيس مسؤولاً عن المجموعة الاقتصادية، ثم أصبح في مايو/أيار 2025 النائب الأول لرئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان. وجاء صعوده بالتزامن مع سلسلة تغييرات وإبعادات داخل مؤسسات الدولة والحركة الحاكمة، قُرئت على نطاق واسع باعتبارها تمهيداً لتعزيز موقعه كأحد المرشحين لخلافة الرئيس.

إلا أن العلاقة بين بول ميل وأسرة سلفاكير دخلت لاحقاً مرحلة صراع، كان أحد محاوره، بحسب تقارير منشورة، النفوذ والسيطرة على الحرس الرئاسي. وأعقب ذلك إبعاد عدد من حلفاء بول ميل، قبل أن يُجرد هو نفسه من مناصبه في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 وتخفض رتبته العسكرية إلى جندي، ويوضع قيد الاحتجاز أو الإقامة الجبرية. ومن هذه الزاوية، تكتسب الخطوة الأخيرة دلالة إضافية: الوحدة العسكرية التي كانت السيطرة والنفوذ داخلها جزءاً من الصراع في الحلقة الحاكمة أصبحت اليوم تحت القيادة المباشرة لنجل الرئيس.

ولا ينفصل صعود اللواء أتيم عن تغييرات أوسع أجراها سلفاكير داخل المؤسسة العسكرية والأمنية. ففي مايو/أيار الماضي، أقال الرئيس قائد الجيش بول نانغ، وأعاد سانتينو دينق وول، وهو حليف قديم للرئيس ومن منطقة بحر الغزال التي ينحدر منها كير.

كما لا يقتصر صعود أفراد أسرة الرئيس داخل مؤسسات الدولة على أتيم. ففي أغسطس/آب 2025، عُيّنت ابنة الرئيس أدوت سلفاكير مبعوثة رئاسية سامية للبرامج الخاصة، وهو موقع رفيع داخل مؤسسة الرئاسة. ويشغل ابنه ثيك سلفاكير منصب نائب المدير التنفيذي لمكتب رئيس الجمهورية، فيما عُيّن ابنه ميار سلفاكير في السلك الدبلوماسي بوزارة الخارجية. وبالتالي، يتزامن وضع الحرس الرئاسي تحت قيادة أتيم مع توسّع حضور أبناء الرئيس في الرئاسة والجهاز الدبلوماسي والمؤسسات الأمنية، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة هذه التعيينات باعتبارها جزءاً من عملية أوسع لإعادة توزيع النفوذ داخل النظام باتجاه الدائرة العائلية المباشرة للرئيس.

التحليل

لا توجد حتى الآن ترتيبات معلنة لتوريث الرئاسة لأتيم، كما أن موقعه السياسي والحزبي لا يزال مختلفاً عن موقع والده داخل الحركة الشعبية وشبكات السلطة التقليدية في البلاد. والأرجح أن القرار، في مرحلته الحالية، يتصل أولاً بأمن النظام والأسرة والسيطرة على أدوات القوة، أكثر مما يثبت وجود خطة مكتملة لنقل الرئاسة من الأب إلى الابن. فتعيين نجل الرئيس قائداً للقوة المسؤولة عن حمايته يقلل اعتماد كير على شخصيات عسكرية وسياسية من خارج الأسرة في واحدة من أكثر المؤسسات حساسية عند حدوث أزمة داخل النظام أو فراغ مفاجئ في قمة السلطة.

غير أن صعود أتيم سلفاكير المتسارع داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية يدرج اسمه، للمرة الأولى، ضمن دائرة المرشحين المحتملين للعب دور في ترتيبات خلافة والده. فقيادته للحرس الرئاسي، إلى جانب نفوذه في جهاز الأمن، وانتمائه إلى الدائرة العائلية ومراكز القوة التقليدية المحيطة بالرئيس، توفر له عدداً من الشروط التي تفرضها البيئة السياسية في جنوب السودان على أي منافس محتمل على السلطة. إلا أن انتقاله من مركز قوة أمني إلى مرشح فعلي للرئاسة سيظل رهناً بقدرته على بناء قاعدة مستقلة داخل الحركة الشعبية والجيش، وتوسيع تحالفاته القبلية والمناطقية، والحصول على قبول إقليمي.

الخلاصة

       يكتسب تعيين نجل سلفاكير أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة القوة التي أصبح يقودها؛ فهي وحدة نخبة تابعة لقوات دفاع شعب جنوب السودان، تتولى حماية رئيس الجمهورية وكبار المسؤولين، وتؤدي مهام أمنية في العاصمة جوبا ومحيطها، فضلاً عن إمكانية نشرها في عمليات عسكرية خارج العاصمة.

       يبدو التعيين جزءاً من انتقال تدريجي من نظام يعتمد على شبكة واسعة من الحلفاء العسكريين والسياسيين إلى دائرة سلطة أكثر ضيقاً تتمحور حول الرئيس وأسرته وحلفائه الأكثر موثوقية.

        وضع الحرس الرئاسي تحت قيادة أتيم لا يمنح نجل الرئيس موقعاً عسكرياً بارزاً فحسب، بل ينقل السيطرة على إحدى أهم أدوات القوة في العاصمة إلى داخل الأسرة نفسها، ويمنحها أداة عسكرية مباشرة يمكن أن تجعلها لاعباً حاسماً في تحديد شكل السلطة بعد الرئيس.

       يعمل سلفاكير، في هذه المرحلة، على تحويل أسرته تدريجياً من مجرد مستفيد من النظام إلى مركز قوة قائم بذاته داخله. ولا يعني ذلك بالضرورة أن قرار توريث الرئاسة قد اتُخذ، لكنه يوفر للأسرة أدوات سياسية وأمنية ومؤسسية تتيح لها حماية موقعها في المدى القريب، والتأثير في شكل وترتيبات مرحلة ما بعد سلفاكير.

        يجعل الصعود العسكري السريع لنجل سلفاكير مرشحاً محتملاً للخلافة في المستقبل، بسبب توفّر الشروط الرئيسية وفق البيئة السياسية في جنوب السودان، مع بقاء هذا الاحتمال رهناً بتطور موازين القوة داخل الحركة الشعبية والجيش، وباتجاهات الإقليم والقوى الدولية المؤثرة في جوبا.

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة

احدث التعليقات