الرئيسيةاخبار سياسيةماذا تبقى للأجيال القادمة في السودان من اقتصاد الحرب؟

ماذا تبقى للأجيال القادمة في السودان من اقتصاد الحرب؟

تشغل قضية حقوق الأجيال القادمة حيزًا واسعًا من تفكير جميع النخب السودانية في بلد ممزق بفعل الحرب، ويعاني من غياب تخطيط واضح لمستقبل أبنائه في ظل ثروات غير مستغلة وحقوق مهدرة رغم مساحته الشاسعة في شرق أفريقيا.
وفي ظل فوضى الحاضر وغياب التخطيط للمستقبل، يقول أستاذ الاقتصاد التطبيقي ستيف هانكي، في منشور عبر حسابه بمنصة إكس، إن “الحرب الأهلية تواصل لتدمير اقتصاد السودان، حيث بات معدل التضخم في البلاد حاليًا عند 107.7% سنويًا، وهو ثالث أعلى معدل في العالم”، مشيرًا إلى أن “السودان بات يعني صراعًا وفوضىًا وتضخمًا ساحقًا”

أرقام أممية صادمة
منذ شهور قليلة، حذر تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن “الحرب قد تعيد اقتصاد السودان إلى مستويات ستينيات القرن الماضي، مع احتمال ارتفاع معدلات الفقر المدقع لتتجاوز 60%، وانزلاق 34 مليون شخص إضافي إلى دائرة الحرمان، في حال استمرار النزاع الحالي حتى عام 2030”.
أرقام صادمة قدمها تقرير مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومعهد الدراسات الأمنية، مستعرضًا تقديرات دقيقة لتكلفة السنوات الثلاث الماضية من الحرب، إضافة إلى حجم الخسائر المتوقعة في حال استمرار النزاع.

يقول التقرير: “خسر السودان ما يقدر بـ6.4 مليار دولار أمريكي من ناتجه المحلي الإجمالي في عام 2023 وحده، مع انزلاق نحو 7 ملايين شخص إلى الفقر المدقع خلال عام واحد. في وقت تراجع فيه متوسط الدخل إلى مستوى لم يسجل منذ عام 1992، بينما تجاوزت معدلات الفقر المدقع ما كانت عليه في ثمانينيات القرن الماضي”.
ويضيف: “يبلغ عدد النازحين أكثر من 13 مليون شخص. وفي حال استمرار الحرب حتى عام 2030، يتوقع التقرير أن ينخفض الناتج المحلي الإجمالي للسودان في عام 2043 بمقدار 34.5 مليار دولار مقارنة بسيناريو غياب النزاع، مع تراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنحو 1,700 دولار. كما سيتجاوز معدل الفقر المدقع 60% من السكان، أي ما يعادل 52 مليون شخص، وهو ما يزيد بـ34 مليون شخص عما كان متوقعًا دون الحرب – أي بزيادة تفوق إجمالي عدد سكان غانا”.
وتوضح لوكا ريندا، الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان، أنه “بعد مرور ثلاثة أعوام على هذا النزاع، نحن لا نواجه أزمة فحسب، بل نشهد تآكلًا ممنهجًا لمستقبل بلد بأكمله. هذه الأرقام ليست مجرد بيانات، بل تعكس أسرًا تمزقت، وأطفالًا خارج مقاعد الدراسة، وسبل عيش فقدت، وجيلًا تتضاءل فرصه يومًا بعد يوم.”
وحتى في سيناريو أكثر تفاؤلًا ينتهي فيه النزاع بنهاية العام الجاري، سيظل التعافي بطيئًا، إذ يتوقع التقرير أن يبلغ متوسط النمو الاقتصادي 1.2% فقط حتى عام 2043، وهو أقل بكثير من متوسط النمو في البلدان الأفريقية منخفضة الدخل، مع بقاء نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي دون مستويات أوائل ستينيات القرن الماضي حتى أربعينيات هذا القرن.

أزمة تخطيط
غير أن الأرقام الأممية السابقة ليست الأزمة الوحيدة التي تواجهها البلاد، حيث يواجه السودان منذ عقود أزمة تخطيط وبناء للدولة. ويرى الباحث السوداني الدكتور خالد صالح، في منشور له عبر منصة إكس، أن “الحكومات السودانية المتعاقبة لم تفتأ تتحدث عن التخطيط، لكن التخطيط الحقيقي ظل غائبًا عن كثير من قرارات بناء الدولة. والتخطيط ليس ترفًا إداريًا، بل هو الأساس الذي تقوم عليه الدول الحديثة، ومن دونه تتحول الموارد والإمكانات إلى مشروعات متفرقة لا يجمعها تصور وطني متكامل”.
ويضيف: “المؤسف أن مفهوم التخطيط الاستراتيجي يبدو غريبًا على كثير من العقول التي تولت إدارة الدولة السودانية، وهذا الغياب لا ينعكس فقط على ضعف الأداء، وإنما يفتح أيضًا أبوابًا واسعة للفساد الإداري وسوء استخدام الموارد العام”.
ويشير إلى أنه “طوال سنوات طويلة كانت أمام السودان موارد ضخمة من النفط والذهب وغيرها من الثروات. كان يمكن أن تكون لدينا رؤية مختلفة تمامًا لتخطيط العاصمة والنقل والمطارات والموانئ والمياه والطاقة والمدن الجديدة”.
ويقول الباحث السوداني: “ثلاثون عامًا من تدفق الموارد كان ينبغي أن تكون كافية لبناء بنية تحتية حديثة تضع السودان على طريق مختلف. لكن المشكلة لم تكن في قلة الموارد وحدها؛ كانت في غياب الرؤية، وضعف التخطيط، وغياب المحاسبة، وتقديم الاعتبارات السياسية والإدارية قصيرة المدى على المصلحة الوطنية طويلة المدى”.
ويرى أن “السودان لا يحتاج فقط إلى حكومة جديدة، بل يحتاج إلى عقل جديد في إدارة الدولة. نحتاج إلى دولة تخطط لعشرين وثلاثين وخمسين عامًا، وتحدد أولوياتها وفق احتياجات الإنسان السوداني، وتربط مشروعات المياه والطاقة والنقل والزراعة والصناعة والصحة والتعليم في منظومة واحدة، بدلًا من التعامل مع كل مشروع وكأنه جزيرة منفصلة. لقد أُهدرت فرص كثيرة، ودُفعت أثمان باهظة بسبب غياب التخطيط والمساءلة”.
وينبه إلى أن “التاريخ وحده هو الذي سيحكم على كل من تولى مسؤولية عامة: ماذا قدم للسودان؟ وماذا ترك للأجيال؟ وهل وضع مصلحة الوطن فوق مصلحته ومصلحة جماعته؟”.
هذه الأسئلة التي طرحها صالح، دفعت متخصصون في دراسة موارد السودان، لطرح أسئلة أخرى ترتبط بعدم وجود رؤية واضحة للاستفادة من الموارد البحرية للبلاد، إذ تشير السفارة السودانية في طوكيو إلى أن ساحل البحر الأحمر السوداني، يمتد لمسافة 750 كيلومترًا، فريد من نوعه ولا مثيل له على مستوى العالم.
ولعل الاستعراض لإمكانات السودان البحرية الذي طرحته السفارة كأساس للترويج الاستثماري، فتح الباب أمام تساؤلات عن سر بقاء الحدود البحرية السعودية–السودانية بدون ترسيم نهائي بعد أكثر من نصف قرن على توقيع اتفاقية الخرطوم عام 1974.
ويرى المتخصصون أنه بات ضروريًا إعطاء ترسيم الحدود البحرية للسودان أولوية وطنية قبل الدخول في ترتيبات اقتصادية أو استراتيجية جديدة مع الرياض، خصوصًا في ظل تحذيرات كثيرة من مطامع السعودية ومحاولتها استغلال ضعف السودان.
لكن يبقى الأهم هو ضرورة الإسراع في تقدير حجم الثروات المعدنية والهيدروكربونية المحتملة في المنطقة المشتركة، ومن يملك حق استغلالها وفق اتفاق الخرطوم، خصوصًا في ظل المخاوف على حقوق الأجيال السودانية القادمة في البحر الأحمر وثرواته.
ويختم الدكتور خالد صالح حديثه بالقول: “السودان ليس فقيرًا بالموارد، وإنما عانى طويلًا من فقر الرؤية والإدارة الرشيدة. وهذه هي المعركة الحقيقية التي يجب أن نخوضها اليوم”.

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة

احدث التعليقات