الرئيسيةاخبار سياسيةصوماليلاند في واشنطن: مقايضة الجغرافيا والموارد بالاعتراف 

صوماليلاند في واشنطن: مقايضة الجغرافيا والموارد بالاعتراف 

ذو النون سليمان، مركز تقدم للسياسات – لندن

تقديم:

تكتسب زيارة رئيس صوماليلاند، عبد الرحمن عِرّو، إلى واشنطن (5 سبتمبر/أيلول 2026) أهمية خاصة بوصفها المحطة الرئاسية الأولى من نوعها منذ توليه المنصب، تحمل رسالة سياسية موجَّهة بوضوح إلى الإدارة الأمريكية، تتجاوز فيها هرجيسا موقعها كطرف هامشي في النزاع الصومالي إلى شريك استراتيجي مستقل. وتعتمد الرسالة على ثلاث ركائز ملموسة: الموقع المطل على خليج عدن، والثروات المعدنية غير المستغلة، والاستعداد لتوسيع التعاون الأمني والعسكري.

–      المعطيات:

تتوزع المعطيات المرتبطة بالزيارة على مستويات عدة تبدأ من التصنيف الرسمي للحدث. فوزارة خارجية صوماليلاند وصفت الزيارة بأنها “زيارة عمل” تركّز على تعزيز العلاقات الثنائية، وتوسيع التعاون الأمني والاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وحشد الدعم لمسار الاعتراف الدولي، في وقت أكد فيه تقرير صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية (يونيو/حزيران 2026) تمسك واشنطن بسيادة الصومال ووحدة أراضيه، مع الإبقاء على مجال محدود لتطوير الانخراط مع هرجيسا في دوائر الأمن والدبلوماسية والتجارة.

وعلى المستوى التشريعي، شهد الكونغرس الأمريكي تقديم مشروع قانون (Republic of Somaliland Independence Act – H.R. 3992) في يونيو/حزيران 2025، تلته دعوات من شخصيات نافذة مثل السيناتور تيد كروز، الذي ربط الاعتراف بصوماليلاند بالمصالح الأمنية الأمريكية في خليج عدن، ومواجهة النفوذ الصيني، وعلاقات هرجيسا المتنامية مع كل من تايوان وإسرائيل. وفي خطوة تصعيدية لاحقة، أعلن وزير الرئاسة في هرجيسا، خضر حسين عبدي (فبراير/شباط 2026)، استعداد بلاده لمنح الولايات المتحدة وصولاً حصرياً إلى مواردها المعدنية، وانفتاحها على استضافة قواعد عسكرية أمريكية، رابطاً تلك العروض بمسعى الاعتراف.

لم تتأخر ردود مقديشو، إذ أعلن وزير الدولة الصومالي للشؤون الخارجية، علي محمد عمر (23 فبراير/شباط 2026)، استعداد الحكومة الفيدرالية لتجديد اتفاقية عام 1980 الخاصة بوصول القوات الأمريكية إلى الموانئ والمطارات، مؤكداً أنها “القناة المناسبة والقانونية لأي تعاون أمني”. ولم يقتصر الرد على التصريحات، بل قررت مقديشو إرسال وفد منافس إلى واشنطن برئاسة نائب رئيس الوزراء صلاح أحمد جامع، على أن يتحرك في 9 سبتمبر/أيلول، بالتزامن مع بقاء الرئيس عِرّو في العاصمة الأمريكية.

       التحليل

الجغرافيا والأمن: المحور الأكثر حضوراً

يتصدر البعد الأمني قائمة العروض التي تقدمها هرجيسا لواشنطن، مستفيدة من ساحلها الممتد نحو 850 كيلومتراً على خليج عدن، والمحاذي للممر البحري المؤدي إلى مضيق باب المندب، الذي تمر عبره نسب تتراوح بين 10 و12% من التجارة العالمية، مع كميات كبيرة من النفط. وقد عززت هجمات الحوثيين المتكررة على حركة الملاحة في السنوات الأخيرة من القيمة التشغيلية لهذا الموقع في حسابات البنتاغون.

وفي هذا السياق، تقدّم هرجيسا ميناء بربرة العميق ومطاره المجاور، الذي يضم أحد أطول المدارج في القارة الأفريقية، كبديل أو مكمّل عملياتي لمعسكر ليمونييه في جيبوتي، خاصة مع تنامي الوجود الصيني في الأخيرة. وتدعم هذه الإمكانات زيارات سابقة أجرتها القيادة الأمريكية لأفريقيا إلى هرجيسا وبربرة، ناقشت خلالها التعاون في مكافحة الإرهاب والروابط بين الحوثيين وحركة الشباب، في محاولة من هرجيسا لتثبيت موقعها كنقطة ارتكاز للسياسة الأمنية الأمريكية في القرن الأفريقي.

الموارد الاقتصادية: ورقة المعادن النادرة: 

اقتصادياً، تركّز هرجيسا على استثمار اهتمام واشنطن بتطوير بدائل لسلاسل توريد المعادن الخاضعة للهيمنة الصينية. وتطرح مواردها من الليثيوم والكولتان والعناصر الأرضية النادرة، المستخدمة في صناعات البطاريات والمركبات الكهربائية والتقنيات الدفاعية، كجزء من حزمة تعاون أوسع، مع عرض وصول أمريكي حصري أو تفضيلي، إلى جانب الاستفادة من ميناء بربرة وممره التجاري المرتبط بإثيوبيا غير الساحلية.

الاعتراف: الغاية السياسية مقابل الكلفة الاقتصادية:

يبقى الاعتراف هو الهدف الأعمق لهذه الاستراتيجية، وقد اكتسبت هرجيسا زخماً إضافياً بعد اعتراف إسرائيل بها (ديسمبر/كانون الأول 2025)، وهو الأول من نوعه من دولة عضو في الأمم المتحدة منذ إعلان الاستقلال عام 1991، مما أتاح للقيادة الحالية استخدام هذه السابقة كدليل على أن الانتقال إلى علاقات رسمية لم يعد معزولاً عن التحولات الإقليمية.

وتعزز الحملة المؤيدة لهرجيسا في واشنطن موقفها بالاستناد إلى سجلها الداخلي: انتخابات دورية، تداول سلمي للسلطة، مؤسسات منفصلة عن الحكومة الفيدرالية، وغياب نفوذ عسكري أو تجاري صيني، إضافة إلى علاقاتها مع تايوان، وكلها عناصر يجري تقديمها كضمانات لشراكة أكثر انسجاماً مع المصالح الأمريكية. غير أن هذه المزايا لا تحجب الكلفة السياسية لأي اعتراف أمريكي محتمل، إذ لا يزال الموقف الرسمي لواشنطن مربوطاً بوحدة الصومال، وأي تعديل جوهري قد يستدعي ردود فعل من الحكومة الفيدرالية، والاتحاد الأفريقي، وقوى إقليمية مؤثرة كتركيا ومصر والسعودية. وتظل واشنطن أمام سؤال مفتوح: هل سيؤدي الاعتراف إلى استقرار إقليمي أم سيضيف بؤرة توتر جديدة في منطقة هشة أصلًا؟

التناقض البنيوي في الموقف الصومالي 

تكشف تحركات مقديشو الدبلوماسية عن تقدير دقيق للخطر الذي يشكله مسار هرجيسا. وتقوم حجتها على أن صوماليلاند جزء لا يتجزأ من الجمهورية الفيدرالية، وبالتالي تفتقر إلى الأهلية القانونية لعقد اتفاقات دولية بشأن الموانئ أو الموارد أو القواعد العسكرية. لكن هذه الحجة تصطدم بمفارقة جذرية بين السيادة القانونية والسيطرة الميدانية؛ فالأصول التي تعرضها مقديشو على واشنطن (كميناء بربرة وبوصاصو) لا تخضع عملياً لسيطرتها، مما يضعف موقفها أمام العقلية الأمريكية البراغماتية التي تزن العروض بناءً على قابلية التنفيذ، لا على الشرعية وحدها.

المنافسة كأداة تفاوض أمريكية 

لم تعد المنافسة بين هرجيسا ومقديشو مقتصرة على الاعتراف، بل تحولت إلى سباق على تقديم القيمة الاستراتيجية لواشنطن؛ إذ تقدّم الأولى الموقع والميناء والمعادن مقابل الارتقاء السياسي، بينما تسعى الثانية إلى تأكيد شرعيتها القانونية مع عرض توسيع الوجود العسكري الأمريكي. وتتيح هذه الديناميكية التنافسية لواشنطن مساحة واسعة للمناورة؛ فكلما رفعت هرجيسا سقف عروضها (من الميناء إلى القواعد والمعادن والاستخبارات)، ازدادت الضغوط على مقديشو لتقديم مقابل يحافظ على الدعم الأمريكي لوحدتها. وبهذا، لا تكون واشنطن أمام خيار ثنائي (اعتراف أو رفض)، بل أمام إمكانية استخلاص أكبر قدر من الامتيازات مع إبقاء ملف الاعتراف معلقاً.

 الخلاصة

       في المحصلة، تحول الصراع بين مقديشو وهرجيسا من نزاع قانوني-سياسي حول السيادة إلى سوق تنافسية لتسويق الأصول الجيوسياسية للقرن الأفريقي أمام القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة. وتعكس زيارة عِرّو تحولاً في استراتيجية هرجيسا من خطاب الأحقية التاريخية إلى منطق تبادل المصالح الملموسة (موقع، تسهيلات، موارد) مقابل علاقة أمريكية متقدمة قد تؤدي إلى الاعتراف.

        التقدير الأكثر ترجيحاً يشير إلى أن واشنطن ستواصل إدارة هذا التنافس دون حسم، مستفيدةً من الانفتاح على هرجيسا كورقة ضغط لإجبار مقديشو على تقديم تنازلات أمنية واقتصادية إضافية، مع توسيع التعاون العملي مع هرجيسا في ملفي الاستخبارات ومكافحة الإرهاب، دون تحمل الكلفة الدبلوماسية الفورية للاعتراف.

       إذا تجاوزت لقاءات الإدارة مع الرئيس عِرّو الإطار الاستشاري إلى اجتماعات رفيعة المستوى، فإن ذلك سيمثل تحولاً في المسار، من دون أن يصل إلى حد الاعتراف الفوري، الذي تظل كلفته السياسية، في حسابات صنع القرار الأمريكي، أعلى من عائده الاستراتيجي في الوقت الراهن.

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة

احدث التعليقات