*مواقف ومشاهد: هل المصريون أشقاؤنا؟

0
27
  عبدالله اسحق محمد نيل
  عبدالله اسحق محمد نيل

*مواقف ومشاهد: هل المصريون أشقاؤنا؟

بقلم: عبدالله اسحق محمد نيل.

في التاريخ المعاصر قديمه وحديثه، لم تسجل سجلات التاريخ أن السودان حكومة وشعبا اعتدى يوما على مصر حكومة وشعبا، لم نهدد أمنها ولم نسرق مياهها ولم نتآمر على جيشها. لكن سجلات التاريخ ذاتها تؤكد العكس تماما: أن السلطات المصرية هي من تبادر وتجاهر بالعداوة والقتل وتدمير مقدرات الشعب السوداني، حتى بلغ السيل الزبى ومع سبق الإصرار والترصد، وفي كل ذلك لم يبادر المسؤولون المصريون بالاعتذار قط.

وبين أيديكم كل هذه الحوادث شاهدة لا تكذب.

المشهد الأول: ميدان مصطفى محمود، القاهرة، 30 ديسمبر 2005. أربعة آلاف لاجئ سوداني، نصفهم نساء وأطفال، اعتصموا أمام مفوضية اللاجئين يطلبون الحماية. فجاء الرد المصري عنيفا: خراطيم المياه في برد ديسمبر، والهراوات، والدهس. استشهد 27 سودانيا على الأقل ودفنوا في مقابر الصدقة بلا تشييع، ولم تعتذر القاهرة حتى اليوم.

المشهد الثاني: صحراء الشمال والشرق. لسنوات طويلة ظلت رواية المعدنين السودانيين واحدة: دورية مصرية تتجاوز الحدود، تعتقل العمال العزل، تصادر أجهزة الكشف، تحرق الآبار، وتتركهم حفاة في الصحراء. لا محاضر، لا قانون، فقط منطق القوة.

المشهد الثالث وهو الأخطر: السماء تقتل. في 10 أكتوبر الماضي، منجم العقيدات في شمال الوادي. آبار انهارت فجأة على من بداخلها، عشرات الشهداء والمفقودين تحت الركام. شهود العيان من الناجين أكدوا أنهم سمعوا أزيز طيران حربي قادم من جهة الحدود، في منطقة لا يحلق فيها الطيران السوداني. قبلها بأشهر قصف مشابه في مواقع تعدين أخرى. من يملك مصلحة في إخلاء حوض الذهب الغني إلا من يريد الاستحواذ عليه؟

المشهد الرابع: النهب الناعم. في 4 سبتمبر 2025 تعلن صحيفة البورصة المصرية عن صفقة بقيمة 277 مليون دولار لشركة ديب ميتالز للتنقيب عن الذهب في السودان، وفي 5 سبتمبر تحتفل وكالة السودان للأنباء بالتوقيع في فندق هيلتون القاهرة بحضور وزير المعادن السوداني. وبعد ساعات قليلة تنفي الوزارة نفسها وجود أي عقد. هذا الارتباك ليس خطأ إداريا، بل هو طريقة إدارة ثرواتنا في الغرف المغلقة بينما يقتل أبناؤنا في العراء.

إن حقيقة سلوك مصر حكومة، وصمت قطاعات واسعة من نخبتها وإعلامها وشعبها عن هذه الجرائم بل وتبريرها أحيانا، غير مشجع على الإطلاق لبناء علاقات حسن جوار أخوي قائم على المصالح المشتركة والتعاون وحسن النية.

نحن نعرف أن في مصر شرفاء يحبون السودان، ونعرف أن النيل ربطنا قبل أن ترسمنا الخرائط، لكن الأخوة ليست أغنية في الإذاعة ولا لافتة في معبر أرقين. الأخوة موقف عند الدم. فهل من الأخوة أن تقتل جارك ثم تطالبه بالصمت حفاظا على العلاقات؟

إذا أرادت مصر أن تظل شقيقة كبرى كما تدعي، فعليها أن تعترف أولا، وتعتذر عن مصطفى محمود والعقيدات والصحراء، وتعوض أسر الشهداء، وتحاسب من أصدر الأوامر. أما بلا ذلك، فليكتب التاريخ بوضوح: السودان لم يعتد على أحد، لكنه لن يظل مقتولا إلى الأبد.