الرئيسيةاخبار سياسيةأوروبا والسودان: حصار اقتصادي للذهب وتردد سياسي في التصنيف

أوروبا والسودان: حصار اقتصادي للذهب وتردد سياسي في التصنيف

ذو النون سليمان، وحدة الشؤون الافريقية، مركز تقدم للسياسات

تقديم:

صعد الاتحاد الأوروبي أدواته في التعامل مع الحرب في السودان عبر مؤسستين مختلفتين وفي توقيتين متقاربين. فقد دعا البرلمان الأوروبي، في موقف سياسي غير ملزم، إلى تصنيف قوات الدعم السريع تنظيماً إرهابياً، كما سمّى دولة الإمارات العربية المتحدة للمرة الأولى بوصفها طرفاً يسهم في تغذية النزاع. في المقابل، اكتفى مجلس الاتحاد الأوروبي، وهو الجهة المخولة باتخاذ القرارات الملزمة، بفرض قيود على واردات الذهب السوداني وصادرات المواد المرتبطة بقطاع التعدين، من دون اعتماد تصنيف إرهابي لقوات الدعم السريع أو توجيه أي إشارة إلى الإمارات.

ويعكس هذا التباين بين الموقف البرلماني والقرار التنفيذي حدود التوافق داخل الاتحاد الأوروبي بشأن كيفية التعامل مع الأزمة السودانية. كما يشير إلى أن مسار تجفيف مصادر تمويل الحرب عبر العقوبات الاقتصادية يحظى بإجماع وفرص تنفيذ أكبر من مسار التصنيف السياسي لقوات الدعم السريع تنظيماً إرهابياً، الذي لا يزال يفتقر إلى توافق أوروبي كافٍ لاعتماده.

المعطيات

أولاً: قرار البرلمان الأوروبي

اعتمد البرلمان الأوروبي يوم الخميس 9 يوليو 2026 قراراً بأغلبية 476 صوتاً مقابل 28 صوتاً وامتناع 96 عضواً عن التصويت، أدان بموجبه جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في السودان، مع تركيز خاص على الانتهاكات المرتبطة بحصار قوات الدعم السريع لمدينة الأبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان. ودعا القرار الدول الأعضاء إلى وقف كل أشكال الدعم لقوات الدعم السريع، وبخاصة توريد السلاح، وطالب الاتحاد الأوروبي بإدراج التنظيم على قائمة المنظمات الإرهابية، إلى جانب فرض عقوبات مستهدفة على الأفراد المسؤولين عن الهجمات ضد المدنيين وعلى شركة إماراتية بعينها، وإجراء تحقيق دولي مستقل في جرائم الحرب، وتوسيع اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ليشمل عموم الأراضي السودانية.

يمثّل القرار تحولاً لافتاً في اللغة المؤسسية الأوروبية، إذ سمّى الإمارات العربية المتحدة صراحة للمرة الأولى كطرف مساهم في تغذية الحرب، بعد أن تجنبت المؤسسات الأوروبية هذه التسمية منذ اندلاع النزاع عام 2023

ثانياً: قرار مجلس الاتحاد الأوروبي

قرر مجلس الاتحاد الأوروبي، خلال اجتماع وزراء الخارجية في بروكسل يوم الاثنين 13 يوليو 2026، تعزيز نظام العقوبات المفروض على السودان، عبر حظر شراء أو استيراد أو نقل الذهب الصادر عن السودان، وحظر بيع أو توريد أو تصدير الزئبق والسيانيد إليه، وهما مادتان تُستخدمان على نطاق واسع في عمليات تعدين الذهب واستخراجه. واستثنى القرار من هذا الحظر الحالات ذات الطابع الإنساني والطوارئ الصحية العامة والاستجابة للكوارث. وجاء القرار بمبادرة هولندية-فرنسية، وهو يبني على نظام العقوبات القائم منذ أكتوبر 2023 والذي يشمل 18 فرداً و8 كيانات، من بينهم نائب قائد قوات الدعم السريع عبد الرحيم دقلو، والذي جرى تمديده حتى 10 أكتوبر 2026.

وبرّر المجلس هذه الخطوة بأن الذهب أصبح مصدراً رئيسياً لتمويل الحرب، إذ تُتهم قوات الدعم السريع بتهريب كميات كبيرة من الذهب إلى الإمارات العربية المتحدة وكينيا لتمويل شراء السلاح والاستعانة بمرتزقة. وتجدر الإشارة إلى أن المجلس لم يعتمد توصية البرلمان الأوروبي بإدراج قوات الدعم السريع على قائمة المنظمات الإرهابية، ولم يورد أي إشارة إلى الإمارات العربية المتحدة في بيانه.

التحليل

       مسار اقتصاد الحرب: الأكثر قابلية للتنفيذ العاجل.

يمثل حظر الذهب والزئبق والسيانيد الخطوة الأوروبية الأكثر واقعية وقابلية للتطبيق الفوري، كونه صادراً عن الجهة صاحبة الصلاحية التنفيذية المباشرة، ولا يحتاج إلى إجماع سياسي إضافي يتجاوز ما تحقق بالفعل بين الدول الأعضاء. ويربط هذا المسار بين الضغط الاقتصادي والقانوني، إذ يستهدف مباشرة أحد أهم مصادر تمويل الدعم السريع، عبر تضييق قنوات تصدير الذهب وتعقيد الوصول إلى المواد الكيميائية اللازمة لاستخراجه. ومع ذلك، تبقى فعالية هذا الحظر مرهونة بمدى قدرة قوات الدعم السريع على تحويل مسارات تهريب الذهب عبر أسواق غير أوروبية، وبخاصة عبر الإمارات وكينيا، وهو ما قد يحد من الأثر العملي للعقوبات ما لم تقترن بضغط مواز على دول العبور والاستقبال.

       مسار التصنيف الإرهابي: توصية سياسية معلّقة على قرار المجلس.

لا يكتسب طلب البرلمان الأوروبي تصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية أثراً قانونياً فعلياً إلا إذا اعتمده مجلس الاتحاد الأوروبي وفق الإجراءات المعمول بها، وهو ما لم يحدث حتى صدور قرار 13 يوليو رغم تقارب الموعدين. وفي حال اعتماد هذا التصنيف مستقبلاً، فسيترتب عليه تجميد الأصول والأموال التابعة للتنظيم داخل الاتحاد الأوروبي، وحظر أي تمويل، أو دعم مالي أو لوجستي مباشر أو غير مباشر له، وتجريم تقديم الدعم المادي أو الخدمات من قبل الأفراد والشركات الأوروبية، إلى جانب تشديد القيود على سفر قياداته وتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي الأوروبي لملاحقة شبكات تمويله وتسليحه.

ومن الناحية السياسية، سيؤدي التصنيف، إن اعتمد، إلى تقليص الشرعية الدولية لقوات الدعم السريع والحد من هامش التواصل الرسمي معها، بما يعزز موقف الحكومة السودانية في جهودها لعزلها دبلوماسياً، وقد يدفع دولاً وشركاء دوليين آخرين إلى دراسة خطوات مماثلة كسابقة سياسية وقانونية. غير أن تردد المجلس حتى الآن في اعتماد هذه الخطوة، رغم توصية البرلمان الصريحة، يشير إلى وجود حسابات سياسية ودبلوماسية أوروبية داخلية تحول دون ترجمة الإدانة السياسية إلى إجراء تنفيذي، على الأرجح بفعل حساسية العلاقات مع أطراف إقليمية مرتبطة بالملف.

       تسمية الإمارات: التحول الأكثر دلالة في اللغة المؤسسية الأوروبية.

يشكل تسمية البرلمان الأوروبي للإمارات العربية المتحدة صراحة، للمرة الأولى منذ 2023، تطوراً يتجاوز في دلالته السياسية مسألتي العقوبات والتصنيف الإرهابي مجتمعتين، إذ ينقل الخطاب المؤسسي الأوروبي من إدانة عامة للتدخلات الخارجية إلى تحديد أطراف بعينها بالاسم. بيد أن امتناع مجلس الاتحاد الأوروبي عن تكرار هذه التسمية في قرار 13 يوليو، رغم صدوره بعد أربعة أيام فقط من قرار البرلمان، يكشف فجوة واضحة بين الموقفين، ويشير إلى أن الجهة التنفيذية لا تزال غير مستعدة لمجاراة اللغة السياسية الأكثر صراحة التي تبناها البرلمان، على الأقل في هذه المرحلة.

الخلاصات:

       تندرج خطوتا 9 و13 يوليو ضمن سياسة أوروبية متصاعدة تجاه الحرب في السودان، لكنهما تكشفان في الوقت ذاته تبايناً بنيوياً بين مؤسستين أوروبيتين: برلمان يتقدم بلغة سياسية أكثر جرأة، تشمل تسمية الأطراف الإقليمية والدعوة إلى التصنيف الإرهابي، ومجلس يكتفي حتى الآن بإجراءات اقتصادية وقانونية أضيق نطاقاً وإن كانت أكثر قابلية للتنفيذ الفوري.

        المسار الأكثر ترجيحاً في المدى القريب هو استمرار تعميق العقوبات الاقتصادية على اقتصاد الحرب، بينما يبقى مسار التصنيف الإرهابي والتصعيد اللفظي تجاه الجهات الإقليمية الداعمة للدعم السريع رهناً بتطورات ميدانية أو سياسية إضافية تدفع الدول الأعضاء نحو إجماع لم يتحقق بعد.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات