الخرطوم لم تكن منطقه او قريه او مدينه يعرفها التاريخ القديم قبل دخول الحملة التركية لإحتلال السودان بواسطة القائد العسكري فى الجيش العثماني التركي ذو الاصول الألبانيه الذي يدعى (محمد على باشا) والذى تمكن لاحقا بعد الاحتلال من شراء السودان مقابل المال (الذهب ) والرجال (الجنود ) المقابل الذى يدفعه سنويا للباب العالى فى (الأستانه )
عاصمة الأمبرطورية العثمانية حيث ان الخزانه الماليه العامه أصابها العجز والإفلاس فى مقابلة المصروفات الادارية والاشرافيه للإمبراطوريه آنذاك نسبة لإنتشار الفساد والرشوة والإختلاسات وزيادة صرف القصور السلطانيه والأمراء كما أن عامل آخر ساعد المدعو محمد على باشا فى إستغلال الظروف الداخليه المتدهوره للإمبراطورية العثمانيه وهو عامل التوسع الكبير فى إحتلال بلدان عربية اسلاميه وأخرى أوروبيه فعندما إندلعت الحروب الداخليه فى هذه المستعمرات فقدت الامبراطوريه العثمانية أعداد كبيرة من الجنود وفى نفس الوقت كانت هنالك حروب خارجيه شاركت فيها الإمبراطورية العثمانية فكان لابد لها من استجلاب اعداد كبيرة من الجنود المقاتلين لذا لجأت الى فكرة محمد على باشا فى تصدير الرجال والمال من السودان مقابل التنازل له فى حكم السودان ولاية خاصه به هو وابناءه وتتبع الى التاج العثمانى فى تركيا (الاستانه ) .
وبهذا تمكن محمد على باشا من شراء السودان والإنفراد بحكم السودان هو عائلته من ابنائه وأصهاره وأقاربه .
ومقابل هذا تمكن من فرض ضرائب باهظه جدا لمقابلة الصرف على المنصرفات الادارية والعسكرية والاشرافيه وقد أوكل جمع الضرائب وقساوتها لبعض القبائل المتعاونه معه منذ إحتلال السودان فى 1820م فشهد السودان أسوأ عمليات جبايه فى جمع الضرائب والتى صاحبها قهر وضرب وإذلال وقسوة ومصادرة لممتلكات المواطنين مما جعلهم فقراء معدمين فى كثير من المناطق والبعض منهم هرب الى الجبال والوديان البعيدة والبعض منهم تجاوز الحدود الى دول الجوار الاخرى .
وماقامت به حكومة انقلاب الانقاذ (الحركة الاسلامية) من فرض رسوم وضرائب وزكاة وطريقة جمعها وملاحقة المواطنين والتشديد عليهم وربطها بالحصول على الخدمات والمستندات وغيرها من اساليب الجبايه والإستغلال
خلال فترة حكمها للسودان من 1989م الى 2019م هو عبارة إستنساخ تجربة الحكم التركى وفرض الضرائب الباهظه على كاهل وعاتق المواطنين السودانيين .
هذه السياسات كانت أشبه بالأسلحه الكيميائية اليوم القاتله والطارده للسكان وارتبط تاريخ مدينة الخرطوم بأنها المدينه الغير متصالحه مع المواطنين وطارده للسكان بفعل هذه السياسات الحكوميه المتعاقبه على السودان .
الخرطوم هى المدينه الملعونه ومدينة الخطيئة كما ذكرت فى مقدمة المقال أن الخرطوم لم تكن معروفه او مشهوره قبل إحتلال الأتراك والإنجليز للسودان حيث كانت الشهرة قائمة لمدينة سوبا القديمة اما سنار كانت حاضرة سلطنة الفونج السلطنة الزرقاء وكذا الشهرة معقودة فى حاضرة سلطنة دارفور (الفاشر ) بالإضافه الى المدن الاخرى فى شرق السودان وكردفان وشمال السودان فعندما دخلها
(الخرطوم) الاتراك فى بداية العام 1821م كانت الخرطوم لاتتعدى سواء 14 بيت من الطين اللبن الأخضر (منطقة المقرن القديمة ) ولذلك الأتراك لم يهتموا بدخول الخرطوم وإستمروا فى عبورهم إلى أن وصلوا الى سنار حاضرة الدولة السناريه واقاموا (العاصمه ) هناك ولكن لظروف البيئة والأمطار وإنتشار الأوبئة والأمراض قرروا نقل العاصمة الى مدينة (مدني ) وبعد فترة أيضاء نقلوا العاصمه إلى (الخرطوم ) ومن ثم بدأ تعميرها .
وتذكر بعض الروايات التاريخيه أن التسميه جاءت من عدة تسميات (خور التوم ) إما الثوم الذى يزرع كالبصل أو شخص يدعى (التوم) كما هو الحال فى تسمية (خور عمر ) و (خور أبوعنجه ) و(خور شمام ) فى جنوب السودان و (خور الدليب ) فى غرب السودان وهنالك تسمية اخرى وهى ترجع إلى (خرتوم الفيل ) حيث ملتقى النيلين اشبه
ب (خرطوم الفيل) وهذه ترجع الى تفسيرات القبائل النيليه .
ومنذ أن قرر الأتراك جعل الخرطوم عاصمه للحكم فى السودان وهذا لم يكن قرار السودانيين ولاقرار وطنى ولاسيادي قام الاتراك بجلب الأجناس من الجنسيات الأخرى من الدول التى كانت تدين بالولاء للأمبراطوريه العثمانية وكذلك فعل الإنجليز خلال فترة حكمهم للسودان 1899م الى 1956م فعل الانجليز نفس الشئ باستجلاب الأجناس من الجنسيات الأخرى من مختلف مستعمراتهم وأصبحت الخرطوم مدينة الحكام والأفندية ورجال الأعمال التجارية أصحاب النفوذ فى السلطة والحكم وتم تخطيط وتقسيم الخرطوم الى وحدات إدارية وأحياء سكنيه توزع حسب الجنسيات القاطنه آنذاك كما هو الحال فى بعض الأحياء فى أمدرمان القديمه ولكن تلاحظ أن الجنسيات الأخرى كانت الغاليه من مستعمرات الهند وبلاد الشام واليونان الاغريق واليهود والمغاربه وغيرهم القليل .
هذا الخليط السكانى ذو الغالبيه المسيحيه ساعد على انتشار الأنديه الليليه والملاهى والمراقص وحانات الخمر وبيوت الدعارة واندية القمار والمراهنات وكانت هذه الأماكن أغلبية روادها من الحكام الاداريين وكبار الموظفين والتجار وبعض وجهاء المجتمع الأهلى من قليل من سكان الخرطوم آنذاك كما أن هذه الأنديه والملاهى وفرت فرص عماله لبعض الناس الذين يقمون بتقديم الخدمات كعمال ومراسلات وصبيان وغلمان ووجهاء الإستقبال .
بعد سقوط الحكم التركي على يد الثورة المهدية وقائدها الإمام محمد احمد المهدى فى 1886م وعبرت جيوش المهدية النيل وهاجمت قصر (القصر الجمهوري القديم ) مكنب الحاكم العام (غردون باشا ) الضابط الانجليزى الذى يعمل لصالح الامبراطورية التركيه وقتلته وتم إعلان تحرير الخرطوم والسودان رغم هذا الإنتصار التاريخى والوطنى لجيوش المهديه إلا أن الإمام محمد احمد المهدي كان قد إتخذ من منطقة (أبوسعد ) الفتيحاب الحاليه معسكرا متقدما للقيادة والسيطرة لإدارة المعركة وبعدها إنتقل من منطقة أبوسعد إلى أمدرمان القديمة وإتخذ منها العاصمه الوطنية للدولة السودانية الحديثة وأصبحت أمدرمان البقعه الطاهره الغير مدنسه برجس الإحتلال والإستعمار تعانق النيل وتقبل رأس قبة الإمام المهدي ويحتشد الناس فى باحة حوش الخليفه عبدالله التعايشى .خلال هذه الفترة لحكم الدولة المهدية قامت الأحياء الأمدرمانيه العريقه رمزا للوطنيه والثقافه والتراث والتاريخ الاجتماعى السوداني وأضحت قبله يحج إليها الناس من جميع أنحاء السودان متجانسين متناغمين فى حياتهم العامة رسموا لوحة الوطنيه (أنا أمدرمان ….أنا السودان )…..
هذا التشريف العظيم لمدينة امدرمان العاصمه الوطنية جعلها ذات ميزة تفاضليه على مدينة الخرطوم المدينة الملعونة ومدينة الخطيئة فى التاريخ القديم والحديث للدولة السودانية حيث كانت حاضنه للاتراك والانجليز والاحتلال والاستعمار وكانت فاجره بالخمور والملاهى والمراقص والاندية الليليه وكانت مصدر للسياسات الجائرة والمستبده والقاهره للسكان وظلت كذلك غير متصالحه مع الديمقراطيه حيث شهدت الانقلابات العسكرية وقتل الثوار والمتظاهرين السلميين وكانت مقر للحكام والوزراء الفاسدين وبيوت الاشباح .
إنها الخرطوم العاصمة التى لم يختارها السودانيين ولم يذكرها التاريخ القديم إنها مدينة الخطيئة الملعونه .

