ليس كلُّ ما يخرج من رحمِ المحنةِ موتًا، ولا كلُّ ما يعلو من روائح الخراب وأدخنة الحريق دليلًا على أن هذه الأرض قد انطوت على جراحها إلى الأبد.
إذ ثمَّة أشياءُ لا تولد إلا بعد أن تُهضم، ولا تُستخلص إلا بعد أن تُعصر، ولا يظهر صفاؤها إلا حين تمرُّ أولًا من أضيق الأبواب.
﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾.
أيُّ سرٍّ هذا الذي يجعل بين الفرث والدم طريقًا إلى اللبن؟ وأيُّ يدٍ خفية تدخل إلى جوف الأشياء فتأخذ من أقسى مخلفاتها أصفى خلاصتها؟
لعلَّ الأمر كذلك في التاريخ أيضًا.
ندخل المحنةَ كما يدخل الطعامُ الجسدَ؛ بصورته الأولى، بثقله، بكل ما فيه من شوائب، ثم تبدأ رحلة الهضم.
تهشُّمٌ هنا، وتفكُّكٌ هناك، وسقوطُ ما لم يعد يصلح للبقاء.
فما نظنه خرابًا نهائيًا قد لا يكون إلا هضمًا تاريخيًا لجسدٍ أثقلته أشياءُ ليست منه في الأصل.
ولذلك، فإن السودان لا يبدو الآن كبلدٍ تحترق أطرافه فقط، بل كجسدٍ مُبتلى يدخل غرفةَ الهضم الكبرى؛ تتكسر فيه أصنامٌ مستعارة ومجسمات تنافس أسود، ثم تتساقط أقنعة، وتخرج إلى السطح أشياءُ ظلت طويلًا تختبئ تحت جلده.
ولأنَّ العللَ حين تُحاصر تُخرج آخر ما في جوفها، فلا عجب أن يكون آخرُ العنف أشدَّ العنف؛ فالمحتضرُ لا يُحسن دائمًا كيف يموت، وقد يحاول في اللحظة الأخيرة أن يحرق البيت الذي عجز عن امتلاكه.
لذلك لا ينبغي أن نخلط بين احتضار الشر وبين انتصاره.
فالقيحُ حين يخرج ليس دليلًا على أن الجرح قد تعافى، بل ربما كان ذلك أولَ علامات تطهُّره.
كما أن السماء لا تسقط كِسفًا على الخراب لتنظفه في غمضة عين.
وبمثلما أن التيسير ليس طريقًا مفروشًا، ولا نجاةً مجانية، ولا معجزةً تعفينا من واجب اللحظة الحاضرة؛ فالتيسيرُ، في بعض وجوهه، هو أن ينكشف سراب الوهم.
أن نفهم أخيرًا ما الذي كان ينبغي أن يسقط، وما الذي ينبغي أن يظل.
أن نعرف الفرق بين الوطن والقناع، وبين الدولة والصنم، وبين القوة والافتراس، وبين الدين وما ارتداه الدينُ من أثواب ألقاها عليه بعض البشر.
ثم ننهض، لا كما كنا، لكن بما تبقى فينا بعد أن أخذ الهضمُ التاريخيُّ نصيبه.
إذ ربما كان السؤالُ الحقيقيُّ ليس: متى تنتهي الحرب؟ لكن: ما الذي سيبقى منا حين تنتهي هذه الحرب؟
أيُّ سودانٍ سيخرج من بين هذا الفرث والدم؟، سودانٌ يعيد إنتاج ما أفسده الدهر فيه، أم سودانٌ تعلَّم أخيرًا أن ما يُستخلص من المحنة لا يجوز أن يعود بالناس إلى المحنة ذاتها؟ ذلك هو الامتحان الصعب. فاللبنُ لا يشبه الفرث ولا يشبه الدم، ومع ذلك فهو ابنُهما معًا في سرٍّ لا تراه العين.
وهكذا قد تولد الأمم أيضًا: لا من نقاءٍ سابق، إنما من قدرةٍ عميقة على تحويل ما علق بها إلى قيمة جديدة.
ولعلَّ السودان، بعد كل هذا النزيف، يقف الآن بين حقيقتين: ما يخرج منه من صديد الماضي، وما يمكن أن يُستخلص منه أيضًا من لبن خالص في الغد.
فإن أحسنّا الهضم خرج هذا الحليب النقي، وإن عجزنا أعدنا أكلَ ما هضمناه، كشأن كل كائن مجتر.
ومن هنا يبقى السؤال مفتوحًا على بابٍ في آخر العاصفة: من بين هذا الفرث والدم هل سنشرب لبنًا سائغًا، بنهاية عملية الهضم التاريخي التي تجري علينا الآن؟