يقول النِّفَّري: «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة».
وهنا لعل حكاية الشيخ أحمد الشايقي واحدة من تلك الحكايات التي كلما ضاقت كلماتها اتسعت رؤيتها كذلك؛ حتى تكاد تحمل في طياتها معاني أوسع للطريق، وللإشارة، وللمائدة، والهداية، ولبناء المجتمع نفسه، ثم لسؤال السودان كله.
عمومًا كان الشيخ الشايقي قد بلغ الثمانين حين قال له شيخه عبد الباقي المكاشفي: «لقد آن لك أن ترشد الناس، فاتجه غربًا، وأدِّ الرسالة التي حُمِّلتها».
بيد أنه لم يعطه اسمًا لمكان، ولا خارطة لطريق.
قال له: سر يومًا، ثم أوقد نارًا، واتبع اتجاه الدخان؛ وكرر ذلك ثلاثة أيام، فحيث ينتهي بك المسير، ذلك منزلك.
لم يعطه اسم مكان، إنما أعطاه علامة فقط، يستدل بها علي ذلك المكان.
وهنا تستدعي ذاكرتي ناقة النبي ﷺ، القصواء، حين قال للناس وهم يتجاذبون خطامها رغبة في استضافته: «دعوها فإنها مأمورة».
ثم تستدعي القصة الي ذهني حوت موسى؛ ذلك الحوت الذي دبَّت فيه الحياة ثم غاب، فكان غيابه علامة على موضع لقاء موسى بالخضر.
ناقةٌ تعرف أين تناخ؟ وحوتٌ يعرف أين يغيب؟ ودخانٌ يعرف أين يمضي؟، ثلاثة مخلوقات لا تتكلم، لكنها تدل.
وكأن الطريق إلى بعض المقامات لا يُعطى في صورة خريطة كنز، إنما في صورة إشارةٍ أو بشارة.
المهم، اتبع الشيخ الشايقي دخانه حتى انتهى به إلى موضع، فإذا بالقرب منه قطاطي تعلوها الرايات، سأل، فقيل له: إنها أنداية، فقال: «دعوهم وشأنهم، ونحن لشأننا».
ثم نصب قطاطيه، وأقام مسيده.
لم يبدأ بالخطب، إنما بدأ مباشرة بالطعام.
صار كل عابر يجد عنده مائدة، حتى أهل الأنداية أنفسهم؛ كانوا يأكلون عنده قبل ذهابهم لتعاطي الخمر، ثم يعودون بعد العصر، وقد احمرَّت أعينهم، فيأكلون مرة أخرى وهم سكارى.
هنا تكمن غرابة الحكاية وعمقها: كأنهم كانوا يترددون بين مائدتين؛ مائدةٍ تُذهب العقل، ومائدةٍ تشرح الصدر والقلب.
في أصدق تجسيد لمقولة الشيخ فرح ود تكتوك: «ما في دين بدون عجين».
فالعجين هنا ليس مجرد دقيق وماء؛ إنه المادة التي تجعل معنى الدين قابلًا لأن يُعاش، فقد تبدأ الهداية برغيف، والألفة بقصعة، والتوبة بمائدة.
فالإنسان قد لا يترك عالمه القديم لأنك تعاقبه أو تلعنه، لكنه قد يتركه بطوعه حين يجد صدرًا أرحب ومعاملة أكرم.
على أية حال، يقال إن الشيخ عبد الباقي المكاشفي نفسه كان في الشكينيبة لا يؤاكل إلا ذوي العاهات، والأمراضِ المُنفّرةِ، والمجاذيب، الذين يتأفف منهم الأصحاء، وكان يؤاكلهم يدًا بيد.
وهنا تصبح «اليد» بالطبع أهم من الطعام، إذ الصدقة يمكن أن تصل من بعيد، أما المؤاكلة فمشاركة.
كأن المكاشفي كان يقول بالفعل والسلوك والممارسة: لا أحد ينبغي أن يقف لأي علة كانت، خارج هذه المائدة الرحبة، وهكذا التقى الشيخان: المكاشفي يعيد المنبوذ إلى القصعة، والشايقي يعيد أهل الخمر إلى موائد الذاكرين.
كلاهما لا يبدأ بالسؤال: كيف نُخرج هؤلاء مما هم فيه؟
لكن بالسؤال الأعمق: كيف نعيدهم إلى الجماعة وإلى السرب؟
ثم، بعد ثلاثة أشهر، حدث ما يشبه المعجزة، صارت المريسة مُرَّة كالحنظل، فقد أهل الأنداية قدرتهم على تذوقها، حتى جاءت نساؤها يشكون ضيق رزقهن، وطلبن أن يجاورن المسيد ويعملن لأهله العصيدة.
فقال لهن الشيخ: «حبابكن ألف».
نصبن بيوتهن، وصِرن من أعمدة المسيد. تأملوا جسر هذا التحول الهائل: من صناعة المريسة إلى صناعة العصيدة، من الإسكار إلى الإطعام، من الأنداية إلى المسيد، ومن اللهو إلى الخدمة.
لم يهدم الشيخ المجتمع القديم فقط؛ لكنه بنى علي أنقاضه مجتمعًا جديدًا من مادته نفسها.
وهنا تكمن عبقرية الحكاية: إذ لم يكن المطلوب قتل الطاقة القديمة، بل تغيير وجهتها.
ترى هل يحتاج السودان اليوم إلى درس كهذا؟
هل نستطيع أن نبني مجتمعات السلام والمحبة والوئام من داخل حواضن الحرب نفسها؟ لا من خارجها.
من ذات الناس الذين عرفوا الحرب، ومن ذات القرى التي احترقت، ومن ذات الأيدي التي حملت السلاح، ومن ذات النفوس التي ذاقت الثأر والفقد والنزوح.
ليس المقصود إسقاط العدالة، ولا مساواة الجاني بالضحية، ولا مطالبة الدم بأن ينسى نفسه، لكن أن نسأل ذات سؤال الشايقي: كيف نعيد هؤلاء إلى الجماعة؟ وهل يمكن أن تتحول اليد التي حملت السلاح إلى يد تبني؟ وأن يتحول الحشد الذي كان للتعبئة إلى حشد للإعمار؟ وأن يصبح الذين كانوا وقودًا للحرب وقودًا لإطفائها؟
لعل القرآن يفتح لنا هنا نافذة أخرى حين يقول: ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ﴾.
فاللبن لا يأتي بعد اختفاء الفرث والدم، لكن من بينهما.
ولذا ربما تكون هذه هي معجزة السودان الممكنة: أن نستخلص من تجربة الدم معرفةً تحقن دمًا قادمًا، ومن الفقد رحمة، ومن الخراب عمرانًا، ومن المرارة حكمة.
أن يخرج من بين فرث الحرب ودمها لبنٌ سائغ للشاربين.
وهل يمكن أن يتغير يومًا مذاق الحرب؟ بأن تصبح الشعارات التي أسكرت الناس مرةً، مُرَّةً في أفواه أصحابها؟
أن يصبح الثأر مُرًّا، والكراهية مُرَّة، والانتصار الذي لا يترك إلا المقابر مُرًّا؟ كما صارت مريسة أم عدارة مُرَّة.
فالهزيمة الحقيقية للحرب ليست في أن تسقط البندقية، لكن في أن تفقد هذه الحرب مذاقها.
عندها لن نحتاج إلى دك هذه الأنداية وهدمها، طالما أن روادها سيتركونها لوحدهم.
أتصور أن هذا هو سر الرسالة التي حملها شيخٌ في الثمانين من الشكينيبة إلى أم عدارة: لم يُرسل ليحارب أنداية، إنما ليبني مسيدًا، ولم يُعطَ خارطة، إنما أُعطي دخانًا، وكان عليه أن يقرأ الإشارة، ثم يقيم المائدة، ثم ينتظر، حتى يتغيَّر مذاق الأشياء.
ربما أصبح السودان الآن في حاجة ماسة لأن يتعلم من هذا العلم القديم: علم الإشارة، حيث لا تكمن العلامة دائمًا في تفاصيل ما يحدث، لكن فيما يحمله بين تضاعيفه ما يحدث.
ناقةٌ أناخت، فبُني حولها مجتمع كامل.
وحوتٌ غاب، فبدأ منه مجمع بحرين، صار إلي يومنا هذا منصةً لحوار الشريعة والحقيقة.
ودخانٌ مضى غربًا، فأقام مطارده مسيدًا ابتلع أنداية بأهلها.
هكذا، في كل مرة، كان الطريق يقول لمن يعرف: دعوها.. فإنها مأمورة.
أما نحن، فقد ظلَلنا نسأل باستمرار: إلى أين يشير الدخان، ومن أين يأتي، وإلي أين سيذهب؟ وما المائدة التي ينبغي أن نقيمها هناك؟ فقد لا يكون السودان الجديد هو السودان الذي نهدم فيه كل ما كان، لكنه السودان الذي يتغير فيه مذاق ما كان.
وحينها نستطيع أن نقول: من بين فرث الحرب ودمها، قد يخرج لنا: لبنٌ خالص، سائغٌ للشاربين.