الأربعاء, يونيو 17, 2026
الرئيسيةاخبار سياسيةالسودان.. حرب الاستنزاف وصراع هندسة الزمن

السودان.. حرب الاستنزاف وصراع هندسة الزمن

ذو النون سليمان، مركز تقدم للسياسات

تحولات المشهد من المواجهة الخاطفة إلى الاستنزاف الممتد:
لم تعد الحرب السودانية مجرد مواجهة عسكرية تقليدية تدور رحاها بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بل تحولت بمرور الوقت إلى صراع مركب متعدد المستويات، تتداخل فيه الحسابات الميدانية المعقدة بالملفات السياسية والإقليمية الجيوسياسية. وفي هذا السياق المتشابك، برز “عامل الزمن” بوصفه المتغير الحاكم والـمُحدد الأساسي للسلوك الاستراتيجي للأطراف المختلفة. ولم يعد الوقت مجرد مساحة زمنية لانتظار نتائج المعارك، بل تحول إلى أداة تُدير بها معظم القوى المنخرطة في الأزمة عملياتها، منطلقة من فرضية أن الحرب باتت عملية طويلة الأمد لإعادة تشكيل موازين القوى وصياغة قواعد اللعبة السياسية والمجتمعية الجديدة، أكثر من كونها جولة عسكرية خاطفة قابلة للحسم السريع أو التسوية المفاجئة.

الفاعلون العسكريون وحسابات الكسب والخسارة عبر هندسة الوقت
تتمايز الرؤى الاستراتيجية للطرفين في تعاملهما مع المدى الزمني للصراع، حيث يرى كل منهما في إطالة أمد المعركة فرصة لتعزيز موقعه وصياغة معادلة النصر من منظوره الخاص.
فقد بات الجيش السوداني، لا سيما بعد استعادته زمام المبادرة في مناطق حيوية بوسط البلاد والخرطوم، يتعامل مع الوقت كداعم لموقعه التفاوضي والسياسي. وتستند هذه الرؤية إلى قناعة بأن تصاعد الضغوط الشاملة على قوات الدعم السريع كفيل بتآكل خطوط إمدادها وإنهاك قدراتها البشرية والتسليحية. كما يستثمر الجيش عامل “الشرعية المؤسسية” عبر تفعيل مؤسسات الدولة تدريجياً من العاصمة الإدارية المؤقتة، مما يعزز اعتراف المجتمع الدولي به بوصفه الممثل الشرعي الوحيد. بناءً على ذلك، يتجنب الجيش الاندفاع نحو أي وقف مبكر لإطلاق النار دون شروط حاسمة، منعاً لمنح خصمه فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة تنظيم صفوفه، مراهناً على أن استمرار الاستنزاف سيعظم مكاسبه في أي تفاوض مستقبلي.
في المقابل، تراهن قوات الدعم السريع على أن الزمن يعمل لصالحها عبر تحويل السيطرة الميدانية المؤقتة إلى واقع سياسي، وإداري، وديمغرافي يصعب تجاوزه. وتتحرك هذه الاستراتيجية نحو ترسيخ النفوذ في أجزاء واسعة من دارفور، وكردفان، والنيل الأزرق، مع تسريع إنشاء هياكل حكم وإدارة موازية؛ ويتجلى ذلك في تعيين مسؤولين لمؤسسات حيوية كالبنك المركزي، وإصدار أوراق نقدية، وإدارة امتحانات الشهادة الثانوية بشكل مستقل. ومن خلال هذه الخطوات المتصلة، تسعى قوات الدعم السريع إلى قوننة سلطة الأمر الواقع، لإجبار القوى الإقليمية والدولية على التعامل مع هذه المعطيات كشريك لا غنى عنه في صياغة أي حل مستقبلي.

الخارطة المدنية والسياسية بين رهان الاضطرار ومخاطر الهامشية:
على النقيض من الأطراف المسلحة، تفتقر القوى المدنية والسياسية لأدوات الحسم الميداني أو القدرة على تغيير الوقائع على الأرض بالقوة العسكرية، مما يجعل رهانها على الزمن رهان اضطرار يقوم على ترقب تغير البيئة السياسية العامة وتحلل قدرات الطرفين المتحاربين. غير أن هذه الكتلة المدنية لا تبدو متجانسة في قراءتها للمستقبل؛ فتحالف “صمود” والقوى القريبة منه يتبنى خطاباً يركز على الوقف الفوري وغير المشروط للحرب واستعادة المسار الديمقراطي، مراهناً على أن الإنهاك المتبادل للجيش والدعم السريع سيعيد في نهاية المطاف إنتاج الحاجة إلى وسيط سياسي مدني لإدارة المرحلة الانتقالية وإعادة الإعمار.
فيما نجد القوى المدنية المتحالفة أو القريبة من الجيش، كالكتلة الديمقراطية وبعض الحركات الموقعة على اتفاقية سلام جوبا، ترى أن الزمن يخدم مسار “شرعية الدولة”، وبالتالي تفضل ربط أي مسار سياسي انتقالي بنتائج المعركة ميدانياً لحسم مسألة السلاح واعتراض منح الدعم السريع أي مشروعية مبكرة. أما القوى التي تقف في مساحات مرنة أو تبدو قريبة من طروحات الدعم السريع، فإنها ترى في استمرار الصراع وتعدد مراكز القوى وسيلة لرفع قيمتها التفاوضية لاحقاً، انطلاقاً من فرضية أن أي تسوية قادمة ستجبر الجميع على القبول بنظام محاصصة جديد يعترف بالجميع. ومع ذلك، فإن مكمن الخطر الحقيقي الذي يواجه الكتل المدنية بمختلف تصنيفاتها ليس الانتظار بحد ذاته، بل تحولها التدريجي إلى مراقب هامشي ومعزول؛ فالزمن قد يعيد رسم الخارطة السودانية بالكامل لصالح القوى المسلحة دون أن يضمن تلقائياً عودة الدور المدني التقليدي إلى مشهد الحكم.
الأبعاد الإقليمية ودول الجوار: صراع الأجندات وبطء الضغوط الدولية.
يرتبط الصراع السوداني بمصالح وحسابات إقليمية متباينة، مما يعيق تشكيل جبهة ضغط موحدة لإنهاء الحرب. وتتوزع مواقف القوى المؤثرة كالتالي:
ففي المشهد الخليجي، يظهر تباين دقيق في مقاربة الأزمة؛ إذ تركز المملكة العربية السعودية خطابها الإعلامي والدبلوماسي، على احتواء التداعيات الإنسانية والأمنية للحرب، وحماية أمن البحر الأحمر والاستقرار الإقليمي من خلال الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية القائمة، وهي لا تبدو متعجلة لإبرام اتفاق هش لا يؤمن مصالحها الاستراتيجية الحيوية. وفي المقابل، تنظر دولة الإمارات العربية المتحدة إلى الصراع من زاوية الترتيبات البنيوية لما بعد الحرب وصياغة توازنات سياسية واقتصادية جديدة، تنطلق من فرضية أن السودان لن يعود إلى نموذج الدولة المركزية القديمة، وبالتالي تسعى لتسوية “تأسيسية” تضمن لها نفوذاً مستداماً في ساحل البحر الأحمر والموارد الاستراتيجية السودانية.
اما دول الجوار المباشر – مصر وإريتريا- فتمنحان الأولوية للحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته الرسمية لمنع الفوضى، وتفضلان التريث لحين إعادة بناء سلطة مركزية قوية. وعلى الجانب الاخر هناك إثيوبيا التي تستفيد ضمنياً من انشغال السودان لتخفيف الضغوط عليها في ملفي (الفشقة وسد النهضة)، لكنها تخشى الانهيار الكامل الذي قد يسبب فوضى حدودية ولجوءاً واسعاً.
اما تشاد وجنوب السودان فهما الأكثر تضرراً من إطالة الحرب (بسبب الامتدادات القبلية لتشاد، وتوقف تصدير النفط لجنوب السودان)؛ لذا تتبنيان خطاباً وساطياً مستعجلاً لإنهاء الصراع.
الخلاصات:
ـ إن المعضلة الجوهرية والعميقة التي تحكم المشهد السوداني الراهن تكمن في المفارقة الحادة المتمثلة في أن كل طرف من أطراف الصراع، سواء كانوا فاعلين عسكريين أو سياسيين داخليين أو قوى إقليمية، يعتقد واهماً أن “الوقت يعمل لصالح أجندته الخاصة”. فالجيش يرى في الوقت وسيلة للاستنزاف وتجويد شروط التفاوض، والدعم السريع يراه كفرصة لتثبيت وقائع جغرافية وإدارية موازية، والقوى المدنية تترقب إنهاك العسكريين، بينما تنتظر القوى الإقليمية تبلور موازين القوى النهائية لحسم خياراتها.
ـ هذه الرهانات المتعارضة والمتقاطعة لا تنتج في الواقع سوى تآكل مستمر وممنهج لما تبقى من كينونة الدولة السودانية، وتدمير بنيتها التحتية، وتعميق انقساماتها المجتمعية والجغرافية. وتأسيساً على ذلك، فإن عامل الحسم في المرحلة المقبلة لن يتوقف على حجم المكاسب العسكرية التكتيكية على الأرض، بل سيتحدد بدقة عند “لحظة التحول الاستراتيجي”، وهي اللحظة التي تقتنع فيها الأطراف الرئيسية وداعموها الإقليميون بأن كلفة استمرار الحرب والاستنزاف قد أصبحت أعلى بكثير من أي مكاسب سياسية أو ميدانية محتملة.
ـ حتى تتشكل تلك القناعة الجماعية تحت وطأة الإنهاك الكامل، سيبقى المشهد السوداني محكوماً بمنطق الانتظار والترقب، وستظل الحرب مرشحة للاستمرار والتشظي عوضاً عن الاقتراب من آفاق التسوية السلمية الشاملة.

مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

الأكثر شهرة

احدث التعليقات