التلفزيون الإثيوبي – لِمي تادسي
إن التقرير الذي نشرته صحيفة “إيجيبت ديلي ماغازين” نقلاً عن لجنة المياه التابعة للحكومة المصرية، يؤكد مجدداً أن القاهرة لا تزال أسيرة نهجها القديم في توظيف ملف المياه سياسياً.
فقد أعادت اللجنة تكرار الادعاء القديم القائل بأن سد النهضة الإثيوبي تسبب في تقليص كميات المياه التي تصل إلى دولتي المصب، وهو ادعاء لا يستند إلى الحقائق الميدانية ولا إلى المعطيات العلمية.وعند تحليل هذه الاتهامات المصرية، يتضح أن الضجيج المثار لا يرتبط بحقيقة وجود أزمة مائية، بقدر ما يعكس محاولة عرقلة مسار التنمية الشاملة في إثيوبيا.
إن الحقيقة الواضحة التي يعرفها العالم هي أن سد النهضة الإثيوبي الكبير قد اكتمل بنجاح، وأصبح ينتج الطاقة الكهربائية. كما أن عملية الملء قد اكتملت، والمياه تتدفق عبر السد، ولم يتسبب ذلك في حدوث أي نقص مائي في دول المصب. بل على العكس، فإن معدلات الأمطار الغزيرة التي شهدتها إثيوبيا خلال موسمي الربيع والصيف هذا العام ساهمت في استمرار امتلاء السد وتدفق المياه منه. وعليه، فإن الادعاء بأن السد أدى إلى انخفاض تدفقات المياه إلى دول المصب يتناقض مع الحقائق العلمية والواقع العملي.
إن مقولة “انخفاض تدفق المياه” ليست سوى اتهام سياسي متكرر فشل عملياً منذ بدء بناء السد وحتى وصول المشروع إلى مرحلته الحالية. إن القلق الحقيقي لدى بعض الأطراف المصرية ليس مرتبطاً بالمياه بحد ذاتها، بل يرتبط بمحاولة الحد من قدرة إثيوبيا على تحقيق التنمية، واستخدام مواردها الطبيعية داخل أراضيها بما يخدم مصالح شعبها.
فإثيوبيا تمتلك حقاً أصيلاً في استثمار مواردها الطبيعية من أجل إخراج مواطنيها من دائرة الفقر وتحقيق التنمية الاقتصادية، وهو حق لا يمكن أن يكون خاضعاً لإرادة أي قوة خارجية. لقد أصبح من المألوف أن يحاول بعض السياسيين المصريين خلق أجواء من القلق كلما شرعت إثيوبيا في تنفيذ مشاريع تنموية، لأن تقدم إثيوبيا وصعودها الاقتصادي يشكل مصدر تخوف لديهم.
إن سياسة إثيوبيا تجاه نهر النيل لم تقم على الإضرار بالآخرين، بل على مبدأ الاستخدام العادل والمنفعة المشتركة، وهو ما أثبتته عملياً. ومع ذلك، فإن الحملات الإعلامية المنسقة التي تقودها بعض وسائل الإعلام والمسؤولين المصريين تكشف عن أجندات سياسية تتجاوز قضية المياه.
كما أن التقارير التي حاولت تحريف المطالب الإثيوبية المتعلقة بالحصول على منفذ بحري، مثل ما نشرته صحيفة “Ahram Online”، تأتي في سياق حملة إعلامية تهدف إلى تشويه مواقف إثيوبيا السلمية والعادلة. وفي الوقت الذي تواجه فيه السودان تحديات داخلية كبيرة، فإن من المعروف أن سد النهضة يحمل فوائد متعددة للسودان، من بينها الحد من مخاطر الفيضانات وتقليل كميات الطمي، إلا أن القاهرة تواصل تقديم خطاب سياسي يوحي بوجود أضرار، وهو ما يعكس توظيفاً سياسياً للملف.
إن الأجندة المصرية لا تقتصر على نهر النيل فقط، بل تمتد إلى مشاريع التنمية الإثيوبية الأخرى. فالحملات السلبية ضد مشاريع مثل سد ميقتش وغيرها من مشاريع التنمية الداخلية، تعكس رغبة في الحد من قدرة إثيوبيا على الاستفادة من مواردها المائية والطبيعية.
كما أن محاولات إضعاف إثيوبيا من خلال دعم قوى مناهضة للاستقرار، وفق هذا الخطاب، تمثل جزءاً من استراتيجية تهدف إلى التأثير على مسار البلاد. إن الهدف النهائي من هذه السياسات، هو محاولة الحفاظ على نفوذ إقليمي أحادي عبر ممارسة ضغوط متعددة على إثيوبيا. إلا أن الواقع يفرض أن يكون التعاون والشراكة القائمة على المنفعة المتبادلة هو الطريق الوحيد للمضي قدماً.
وقد أثبتت السنوات الماضية أن تحويل التحديات إلى فرص ودفع إثيوبيا نحو التنمية يمثل توجهاً مستمراً في مسار البلاد. إن الحقيقة التي ينبغي أن يدركها الإثيوبيون والمجتمع الدولي هي أن ما يصدر عن بعض اللجان ووسائل الإعلام المصرية من تصريحات حول سد النهضة هو، خطاب سياسي أكثر منه تعبيراً عن أزمة مائية حقيقية.
فإثيوبيا لن تتخلى عن حقها في الاستخدام العادل لمواردها الطبيعية، ولن تجعل هذا الحق مرهوناً بموافقة أي طرف آخر. إن سد النهضة الإثيوبي الكبير يواصل، وفق الموقف الإثيوبي، أداء دوره في دعم التنمية وتوفير الطاقة، دون إلحاق الضرر بأي دولة.
وفي النهاية، فإن حملات التشويه ومحاولات خلق التوتر الإقليمي ستبقى عاجزة أمام وحدة الشعب الإثيوبي وإصراره على مواصلة مسيرة التنمية والتقدم.

